lundi 27 juin 2011

تتفَــكِّـــــــــرْ ؟؟؟

تتفكّر ؟ ...
تتفكّر كيف كنّا جْميعْ ؟ يتعدَّى علينا خريف و ربيعْ ، العين عاشقة و القلب حنينْ ، تتفكّر كيف كنّا ثنينْ ؟ بمحبّتنا هاربينْ و على حريّتنا خايفينْ ، عْشانا حكاية و ضحكتينْ و سهريّتنا شِعر و موزيكا و كاسينْ ، تتفكّر كي توسّدت " البيان و التبيين " و أنا حطّيت راسي على صدرك ... كيف كان حنينْ
تتفكّر ؟ ... تتفكّر كيف كانت دموعي ما تجري كان بين يديك        و أنت تقلّي نحبّ الّي يبكّيكْ باش ينوّرو خدّيكْ و نشوف نجوم الليل في لون عينيك
تتفكّر ؟ ... تتفكّر كتاب قريناه ، و كلامُه بصواتنا سمعناه ، و ليل قصارْ و طوِّلناه ما بين آهْ و اللهْ ... تتفكّرْ البحَرْ الّي حبّيناه و الحلم الّي حلمناه و الهَمّ الّي على بعضنا دَرِّقناه
تتفكّر ؟ ... تتفكّر كيف نقلّك تعبتْ و مَلّيتْ ، جْريتْ و ما لقيتْ ، عطيتْ و ما خذيتْ ، كنت تقلِّي الوردة الفوّاحة تخَلقِتْ باش تعَطِّرْ الّي دايِرْ بيها و نهار الّي تذبل في الكتب نخبّيها و ما نسلّمْ فيها
تتفكّر العالم الّي عشقناه ، باحلامْنا رسَمناه و بقلامْنا على وراقنا كتبناه ، حبّيناه و تمنّيناه ، و ستنّينا و ما أيِّسْناه ، و كي بدا يظهر جرينا وراه و صدّقناه ...
تتفكّر ؟ ... تتفكّر كيف كنت نقلّك بلا بيكْ نكرَهْ روحي ، تفيق مْحايْني و تتحَلّ جْروحي ... أنت اسْبابي ، هبْلتي و عذابي ، حبّيت بيك دنيتي و صحابي
تتفكّر كي قـُـتلي آمنتْ بيك ، خَلِّي حرفك على ورقتك يَحكيكْ ... اكتِبْ خَنتِبْ ... اصدَق اكذِبْ ... عبِّرْ و ما تهربْ
تتفكّرْ ؟ ... تتفكّر كيف كنّا واحِدْ ، قلبي على قلبك و الحُبّ شاهِدْ    و الكاس شاهد ... و البحَرْ شاهِدْ ... و القلم شاهِدْ ... و الليل شاهد و المطر شاهد ... و أنت شاهِدْ.
تتفكِّـــرْ ؟

اللّوحة بعنوان " ليلة ذات نجوم " للرسّام فنسون فان غوغ


mercredi 22 juin 2011

عـن احتكار الأسمــاء

قالت قطّتي : " غريبٌ أمرُكم معشر هذا البلد ، تعبدون الله         و تتضرّعون إليه بأسمائه التي تعلّمتموها ثمّ تسمُّون أبناءَكم بها ففيكم : مُعِزّ و عزيز و الهادي و نور و جلال و مالِك و ماجِد     و عَلِيّ ... فمَنْ أكْفـَرُ منكم ؟

أطرقتُ في خجل و همستُ " صدقتِ " فأضافتْ كأنْ لم تسمعني

ـ و بقدر ما تتهافتون على التشبّه بإلهكم بقدر ما تحتقروننا معشر الحيوان فتسمُّوننا بفصائلنا و قليلون منكم قلّدوا الغرب فأطلقوا على كلابهم أسماء مثل "راكس" و "فوكس" و "لولو" و" فلاش" و هي كما ترين هجينة دخيلة عليكم ، فأنتم بهذا الحمق قد أضفتم إلى كفركم اغترابا و انبتاتا

عقّبتُ في ضيق : " عظيم ، كنّا في مسألة تسمية الإنسان فها نحن نحتار في تسمية الحيوان . و ماذا تقترحين ؟

ردَّتْ على الفور : " ألسنا مخلوقات الله ؟ فلماذا لا تسمّوننا نسبة إلى خالقنا ؟ ..." لم أمْهِلها و انفجرتُ ضاحكة : " أتودّين أن تصيري " قطّة الرّحمان " و قطّ جارتي الذي تتسكّعين معه " قطّ المُهيمن "؟ جيّد ، سيدعو لكِ الفلاّحون و مربُّو الماشية فلن يشقوا بعد اليوم في التمييز بين قطعانهم ، سيصبح لهم " ثور الواحد "   و " بغل القدّوس " و " حمار الجبّار " و " حصان المُذِلّ "          و " ديك الرزّاق " و " كبش الصّمد " .... هههههههه

غضبَتْ قطّتي من استخفافي و إغراقي في الضحك فانصرفَتْ      و أظنُّها تعَلّلتْ بالغضب فعلى الأرجح أنّ لديها موعدا مع " قطّ المُهيمن " هذا المساء

mardi 21 juin 2011

مقبّلات على مائدة التدوين

من المُضحِكات المُبكِيات

مؤسّسة تربويّة فتيّة ، اجتهدَتْ مديرتُها و عوّضتْ بطاقة التعريف المدرسيّة بدفتر صغير الحجم مطابق تماما لجواز السّفر ( صورة و بيانات و غلافا خارجيّا ... ) و كتِبَ عليه " جواز التلميذ " . إلى هذا الحدّ ، يبقى الاجتهادُ محمودا. المُضحِك في الأمر أنّ جواز التلميذ كان بنفسجيّ اللون - و قد تبدو مجرّد مصادفة و محض اختيار - أمّا المُبكِي فهو أنّ السيّدة المديرة بنفسجيّة الذِّكر كانت واحدة من الممضين في قائمة المناشدة و سعتْ بكلّ الوسائل إلى الضّغط على أساتذة مدرستها كي يُمضوا لولا أن اندلعت الثورة فأطاحتْ بالمهزلة


       -----------------------------------------------------------

طُـــــرفـة

اعتاد القُطر التونسي بمدنه و أريافه أن يزفّ العروس بأغانٍ تقليديّة حسب الجهة ( ما تعارفنا على تسميته بتعليلة العروسة ). حضرتُ منذ أيّام حفلَ زفاف دخل العروسان فيه إلى قاعة الأفراح مصحوبَيْن بالنّشيد الوطني. الطّريف أنْ لا أحد من العائلتيْن طالب الفرقة الموسيقيّة بالتوقف أو بأغنية أخرى تفي بالمناسبة. على العكس ، تعالتْ الزغاريد و وقف كلّ المدعوّين و صفّقوا و أنشدوا بصدق " حماة الحمى " . كانت لحظة عفويّة رائعة

lundi 13 juin 2011

ليلة ميلاد قمرُها غائب



قالوا سيشهد الغد كسوفا كليّا للقمر، قلتُ يُوافق الغدُ ذكرى مولدي
سيمرّ دون قمر إذن ؟ و إنْ يَكنْ ، لقد غابتْ أقمارٌ عِدّة : والِدٌ صديق و أخٌ شقيق و حبيبٌ رفيق و دونهم أقمار و نجوم في الفنّ و الثقافة و الفِكر، مع كلّ أفول يُظلم رُكن و يَهوِي وجودٌ كنتُ أعرفه في بئر العتمة. ففيمَ انشغالي بقمر السّماء و لي بين الضّلوع مصباحٌ منير يهديني سَواء ... البقاء ؟

لكَ الخلودُ يا أبا القاسم و أنتَ القائِل

لا أرمق الظلّ الكئيب و لاأرى/ ما في قرار الهوّة السّوداء
النّورُ في قلبي و بين جوانحي/فعلامَ أخشى السّيرَ في الظّلماء

                                                 نشيد الجبّار                                                                                   

mardi 7 juin 2011

قفصة .. من الذاكرة إلى العنف

وقت الّي كنت في الجامعة توّا ثلاثين سنة ، قراوْ معايا طلبة من الجهات الكلّ ، و كان قسم الأدب العربي يتميّز بأنّ معظم طلاّبه من الجنوب لأسباب موش هذا مجالها. المهمّ ، عمري ما حسّيت إلّي فمّة مشاكل جهويّات ، عالأقلّ هذا الّي ظهرلي. حتّى كيف قوى الصراع بين اليسار و التيّار الإسلامي ماكانش فيه دخل للجهويّات و العروشيّات . الوحيدين الّي كانت النّاس الكلّ تغزرلهم على جنب و تتّفق على كُرهم هوما الدّساترة

من بين النّاس الّي قريت معاهم و الّي البعض منهم مازالت تجمعني بيه صداقة ليومنا هذا ، كانوا أعزّ اصحابي هوما القفاصة بنات و ولاد، و موش طلبة العربيّة بركة ، عرفت قفاصة من قسم التاريخ و الجغرافيا و غيره جمعتني بيهم المكتبة و الاجتماعات و مشرب الكليّة. إلّي عجبني فيهم ، مواقفهم الثابتة ، مبادئهم ، رفضهم للظلم ، ثورتهم لكرامتهم على أقلّ حاجة ، لهجتهم الحلوّة الّي ما بدّلوهاش كي جاو للعاصمة ... أنا الّي تربّيت بين أخوة ولاد صافي ، لقيت في صداقة القفاصة حاجة أقرب للأخوّة من أيّ شيء آخر. الطّفلة القفصيّة كيما نقولو أحنا " ذكرة" ما ينجّمش واحد يتفيسخ عليها و كيف حدّ يمارس عليها السّنوبيزم متاعه تجاوبه بشِعر ما يفهموش و تضحّك عليه الحاضرين ، عرفتهم يثنيوْ الرّكبة للقراية و يعاونو غيرهم بالدّراسات و المحاضرات   و نسخ المراجع ، قدّاش من مرّة شفت قفصي يقسم في منحته الجامعيّة و إلاّ مقتطعات المطعم الجامعي مع طالب قِلّيل

شنوّة الّي صار ؟ شنوّة الّي تبدّل ؟ 23 سنة و قبلهم 50 سنة من سحق الهويّة و اعتبار الثورة للكرامة و الفرص المنعدمة قضيّة أمن دولة . ثقافة تهميش نزلت برُكبة و موش في قفصة بركة. البعض يقول عناصر من أذيال التجّمع شعّلتْ الصّراع ، يمكن .. ما نجّموش نجزمو على خاطر ماناش كلّنا على عين المكان و لانا من أولاد الجهة باش نعرفو خصوصيّاتها ، و لكن إلّي نعرفه إنّ نظام بن علي بتجمّعه بداخليته ماكانش يُعبُر في قفصة . طول حياتها المتلوّي و الرديّف شوكة مغروزة في رقبة المخلوع، زعمة توّا و بعد الثورة ينجّم الّي بقى من قوّادة الشـُّعَبْ الدستوريّة يكون عنده ها التأثير الكلّ على كبار الجهة   و يلقى وذن تسمعه باش يشعّل نار الفتنة بين العروش لدرجة يتجبد فيها السلاح و يصير قتل و تنكيل ؟ مانيش عارفة

إلّي غايضني هو الاقتتال بين ولاد جهة وقفو في نهار مالنّهارات وقفة راجل واحد في وجه الظلم و التعتيم و الحرمان، إلّي واجعني كلمات كيما غزوة و تنكيل بالموتى ، كي نسمعهم نتخيّل معارك البرابرة من قرون. مرّة أخرى يظهر إلّي الثورة ماهاش نهار     و إلاّ شهر و من بعد باش نلقاو البلاد جنّة حالّة لنا يديها : عيشو   و تمتّعو. المجهود مازال طويل و صعيب و معقّد فيه برشة خدمة و شويّة كلام 
    

samedi 4 juin 2011

حكاية الخافِض الرّافِع

قال مُحدِّثي : " كنتُ كلّ صباح استخدم المصعد للنّزول من الطّابق التاسع بالعمارة حيث أقيم ... قلتُ أستخدم توخّيا للدقة  ، فلا عتبتُه بأعلَى من أرضيّة البهو حتّى أقول أصعده و لا هو بالمطيّة فأقول أركبُه و لا أمل لي في أزمنة تأتي يتنقّل النّاسُ فيها أفقيّا من مبنًى إلى آخر كما الدّود يتسرّبون في أمعاء من البلّور دون الحاجة إلى الشوارع ، يكفي هذا الوحش الفولاذيّ و قرينُه ينخران أحشاء البناية عشرات المرّات في الليل و النّهار ... يضمّ الطّابق التاسع شقّتي و أخرى قبالتها لجاري. كنّا كما في كلّ صباح نتقابل في البهو الفاصل بين بابيْنا ، في البداية كان يُحيّيني بنظرة من أعلى كما اعتاد مع موظّفيه و مَن بيده النّافذة مصائرُهم  فلا أردّ عليه التحيّة ، فيُعالج كبرياءه بتسوية ساعته أو ربطة عنقه في انتظار المصعد . و تحمل عنه حقيبته إلى موقف السيّارات خادِمٌ صبيّة تقف خلفه . كنتُ دائم الحرص على ألاّ يجمعني به مصعد فإذا انفتح أحدهما تنازلتُ له عنه ، حتّى صار للرّجل بمرور الأيّام مصعده الخاصّ لا يستخدمه سواه و لا يُمكِّنُ حارسُ العمارة منه أحدا إلاّ في الحالات الطارئة و بمقابل . هكذا .. دون عَقدٍ و لا اتّفاق إلاّ الصّمت و هل أوْدَى بالبعض سواه ؟

في ذلك اليوم انفتح المصعدان في الوقت ذاته و اتّجه كلٌّ منّا إلى غايته ، أغلقتُ الباب و ضغطتُ على زرّ الصّفر ... أمرٌ مُحبِط أن يبدأ الفردُ يومَه بصفر. تنتابُني نفس الحيرة كلّ صباح ، ماذا دهَى المعاجم كي تُسمّيه مِصعدا ... أما لصعوده نزول ؟ فكيف تُطلق عليه نصف الفعل ؟ من حدَّد المقاييس لقيمة الأداء ؟ ألا يُضاهي نزولي قيمة الصّعود حين أغادر العمارة كلّ يوم لأعمل ؟ و ذاك الطّالِبُ و تلك التلميذة و ذاك المهندسُ ؟ و السيّدة التي تصطحب ابنَها إلى مدرسته كلّ يوم ؟ ... هؤلاء ، و أمثالنا الملايين ، أليس لنزولنا   قيمة ؟ لو اكتفت الأهميّة بالصّعود لما صعدتْ الخادمة كلّ يوم لتعزّز رصيد شقائها في بيت مُشغِّلها ، و لما صعدتْ هذه الحسناءُ التي توليني ظهرَها تكتنفني منها رائحة الخمر و عطر رخيص ، هي على الأرجح من زائرات آخر الليل لجار الطابق الخامس ، عند كلّ أوّل شهر يصعد بغانية ، فهل لصعودها صعودٌ ؟ ما أكثر ما يحمل هذا المصعد

  حين انفتح البابُ على الطابق الثالث كانت الصّدورُ مُلتحِمة بالأقفية ، و النَّفَسُ مَطلبٌ عزيز. لكنّ الشيخ صابر أصرّ على الالتحاق بالمحشورين في الداخل .. الفولاذ يَئنّ من هول الحمولة و الشيخُ جسيم ينبعث منه ما يُحوّل المكانَ إلى ركن مُعتَم من سوق عتيق. كان بغباء أو ما يُشبه العفاف يحرص على رفع يديه إلى أعلى و لسانُه لا يتوقّف عن الاستغفار .. و يتغافل عن الرّابِضِ أسفله لا تُدركه الأبصار ، بل يفضحُه وجهُ صاحبه باحتقان إثر اصفرار ... " و كأنّ هذا الزّمن أبْقَى على عورة تـُسْتَر " همس المهندس... هذه المرّة لم يكن للشيخ متّسَع في المصعد و مع ذلك يظلّ منتصبا يمسك بالباب و يُحرِجُنا بالتحديق فينا .. لوحة المصعد الضوئيّة تعلن تجاوزَ الوزن المسموح به ، و الوقتُ يمرّ ، حتّى اندلعت خصومة ، الكلُّ يَرمي الآخرَ بأنّه ليس أهلا للمدنيّة ، و انطلقتْ التّهم تُكال للشبّان بعدم احترام الأخلاق و الأعراف ، عندما وصل الوضعُ إلى الاستشهاد بالآيات أومَأ المهندسُ للطّالب : " سمير ، هيّا بنا ننزل . " فأجابه و تبعَتهما التلميذة . عظيم .. ما أكبر حظّي بالطليعة المتبقّية .. ربّة بيت و شيخ دين و مومس. المهمّ أنّ المصعد انطلق من جديد ، و ظلّت العيونُ متعلّقة بالصّفر

أخيرا بلغنا الطابق الأرضي - قال مُحدِّثي - و لفظَنا المصعدُ كما القيء. فوجِئتُ بجاري المسؤول يخرج من مصعده في الوقت ذاته فارْتَبْتُ . ما الذي أخَّرَ نزولـَه و لا اكتظاظَ لديه يُبطِئُ الآلة ؟ كيف نكون على موعد مع الرّجل و نحن الأشقياءُ و هو المُنعَّم ؟ لابدّ أنّ خطأ في الطبيعة دفعَه كي يُشاركنا الزّمانَ و المكانَ و قد عهدناه مُتقدِّما حقيقة          و مجازا. ما أروع الحياة حين تثورُ للصمت و الضياع و القهر و تغضبُ للمصائر و قد غـُبِنَتْ ، فتتمرّد على المحتوم و تخترق حُجُبَ التسلّط. وحدَه البحثُ عن لحظة تساوٍ يجودُ بها القدَرُ و قد لا يُكرّرُ مَنَّـه ذاك ، ما جعلني ألتفتُ إلى مصعد الرّجل .. لمحتُ الخادمة تُسوِّي ثوبَها فتعيد أزرارَه إلى عُراها و تجمع شتاتَ جسد مُنهك و روح بائسة .. رأيتُها كحبّة من فاكهة خوخ جفَّ ماؤُها فانكمشتْ و لم تُغادرْ بعدُ غصنَها الرّطيبَ .. سرعان ما انغلق دونها البابُ و غابتْ في جوف المصعد .. التهِمْها أيّها الوحش الفولاذيّ فقد نهشَتْ لحمَها الطريَّ قبلكَ الأصابعُ و لاكَتْ براعِمَ منها نَسَجَ لها الوهمُ يوما أنّها على موعد مع الرّبيع ... خُذها أيُّها الوحش و اصعَدْ بها .. إصعَدْ و تابِعْ الصّعود .. أمّا هي فلم يَعدْ لصعودها معنى

مصعد ... و انفجَرْتُ في ضحِكٍ مُدَوٍّ نابَ عن الدّموع استعْصَتْ فلاذتْ بمُؤق العين تُدْميه .. و لم أنتبه إلاّ و حارسُ العمارة يُمسك ذراعي و يصرخ في وجهي : " ماذا فعلتَ يا أحمق؟ كدتَ تقتل نفسَك ، لماذا عبَثتَ بالأزرار حتّى تعطّبَ المصعد و أنتَ فيه بمفردك ؟ " ... بمفردي فيه ؟ تملكَني الذهول و هرعتُ إلى المصعد أبحث عمّن يروي لي قسوة ما مَرَّ بالمكان أو ما يُحبطُ ما زعمَ الحارسُ ... داخل المصعد كانتْ رجّة العُطل قد هشّمَتْ المرآة إلى عشرات القطَع . فرمقتُ وجهي و قد تعدَّد و له في كلّ قطعةِ مرآةٍ تـَشكُّـل

في المساء استخدمتُ السلّم لبلوغ شقّتي و من الغد بدأتُ البحث عن بيت أرضيّ حيث لا خافِضَ و لا رافِع

mercredi 1 juin 2011

ميزيريا 5 : إنْ أنتَ أكرمتَ اللّئيمَ نمَرَّدَ

رضاتْ بالهَمّ و الهمّ ما رْضَى بيها
عَرْفِتُّه حْوالـُـه تاعبة ، متأزّم ، خْلوقـُـه ضايْقة و اليدْ فارغة ، النّفسْ نفس مْلوكْ و العيشة عيشة سردوك ، ادَبْدبِتْ و تْكَبْ سَعدها و حَبِّته و قالت نبيع عليه جرودي ، دَهْدصِتْ ، عْمَى قلبها و ما راتِشْ قدّامها غيره ، عملتْ له في خيالها قصَرْ و نَصْبتـُّه فيه سلطان و رْماتْ روحها تحت ساقيه ، هاتْ يِرضَى بركة، عاداتْ الامَّالي و قطعِتْ الاصحاب على خاطره. السيّد لقـَـى هيلمان ما كانش يحلم بيه ، الوزَفْ وَلـَّى قاروص و الغنجايَة وَلاّتْ مغرفة مغطّسَة في الفضّة  و النـَوَّالَة صبحتْ دار عالبحر ، و هي  تجري في حظوظه و تقول يا قِلّة الصحَّة ، زَيّنتْ له ، فـَوّحتْ له ، عشاواتْ ، سهريّاتْ ، زهو ، طرب ... و هو كايِنـُّه عامل عليها مزيَّة ، بَصَّاصَة و عزيزة نفسْ ، عامِلْ فيها متأمِّلْ وجودي ، التفاتفْ الماديّة ما تَعني له شيء. ما أيّستشْ ، قالتْ خلّيني نتشعْبطْ فمَّاشي ما نوصِلْ للمُهمّ في نظره ، ضحك عليها و قال لها من غير كلام : مازلت في الكُتَّابْ ، يحِبّلك سنين باش نتلفّتْ لحاجة تقولها  و إلاّ تكتبها . فكّرتْ تعمل كيما عملو برشة ، و لو انّها المناورات هذه موش متاعها ، بِعْدتْ و سِكتتْ و قالتْ فمّاشي ما يفقدني ياخي كايِنـُّه كان يستنـَّى فيها ، عْطَى باللـَّـفتَة و ما زادِتشْ راتْ وجهُه   و لا سمعتْ صوته

............


تقولو هذه حكايو مْرَا و راجل ؟

يُمكنْ ... و يُمكن تكون حكاية تونس ، تونس الانثى البَلدِيَّة من قاع الخابية ، البُو عربي و الأمّ بَربْريّة حُرَّة ، كلّ حاكِمْ يجيها تسَلـِّمْ له مفاتح قلبها الأخضر و تْلبّسُه الحرير و الدّيامُنتْ المْعَيِّرْ ، تتميزرْ هي باش هو يستغنَى ، و تجوع هي باش هو يشبع ، و تْباتْ هي في الخْلا باش سيدي يحُطّ جنبُه على ريش النّعام ، تَقرا و تكتبْ   و تمثـِّلْ و ترسم و تغنِّي و تتفلسف و تتعلّم في السّياسة و هو باقي يقول لها :مازلتْ جاهلة ، كان موش أنا ما يعرفك حَدْ. و بعد ما يركب و يدلدل ساقيه و ياكِلْ حتّى يفنِشْ ، يْخَـيِّرْ عليها بنتْ سَامْ   و إلاّ بنتْ داوود بفلوسها و شقاها ، الخير خيرها و لا يْعيّشك و لا يباركْ فيك

 عاد موش ميزيريا كلبة هذه ؟

mardi 31 mai 2011

لا يليق بالرّمال إلاّ الظلام

لله أنتَ يا دوعاجي، أعجبني منه هذا النصّ


ما كدنا نستقرُّ حتّى طلب صديقي من حَدَّة أن تنشدنا أغنية " الشّمعة " فتبسّمتْ كمن يبتسم لخاطرة أو ذكرى ، و كأنّما قد عادتْ الأغنية لذاكرتها بما حوْلها من أيّام شبابها و رُفقاء سفرها حين كانت صبيّة كاعِبا تشقُّ الصحراء تركب الخيل و المهاري و تحذق الصّيد. و كان منها إنشادٌ و منّا إنصات. و حضرَتْنا أحلامُ حدَّة بلسانها تُحدِّثنا عنها فتقول في رقّة و ترتيل : " كنّا نسيرُ في الصّحراء الواسعة و قد قرُبَ الغروبُ و أعيانا السّيرُ و أتعَبَ جِمالنا و ذهبَتْ حرارة ريح القِبْلي بما في أجسامنا من ماء و رطوبة ، فأنخنا رواحلنا. و ما فينا إلاّ فرِحٌ بهذه الرّاحة بعد أن أجهدْنا أنفسنا في السّير في الرّمال إلى حدّ المَلال. و كان يُظلّنا عن الرّيح الحارَّة عِرْق من رمل مرتفع. و لم نلبث أن اشتدّ علينا الظلامُ و لم يبقَ من النّور إلاّ بَصيصُ النّار تحت القِدْر. و بعد العَشاء أخذنا في طهي الشاي لغسل حلوقنا من الرّمال العالقة بها. ثمّ قام أحدُ رفقائنا إلى رحله فأخرجَ منه شمعة و وَدَّ أن نشربَ الشايَ على نورها. و كان القمرُ لا يطلع في تلك الليالي إلاّ متأخّرا. و ما كان أحْقَرَ نورَ تلك الشمعة الصّغيرة واقِفة كأصبع الجِنِيِّ في هذا الوادي الواسع. على أنّ نور الشموع كان أحَبَّ الأنوار إليَّ لأنَّ في رقصه بين النور و الظّلمة رقص الإنسان بين الحياة و الموت، و مع ذلك فقد طالبْتُ بإطفاء الشّمعة في تلك الليلة لا كَرْهًا لها ، بل ضَنًّا بنورها على هذه الصّحراء المُبغِضة إلى نفسي ، لكلّ ما عانيْتُ من السّير فيها عامّة يومي. و سألني رفيقي: ما يُبغضُ إليكِ نورَها فتحرمينا منها ؟ قلتُ : إنّها في غير مَحَلِّها إذ لا يَليقُ بهذه الرّمال إلاّ الظّلامُ. "              سهرتُ منه الليالي



فعلا، بعض العقول المتصحِّرة لا يَليق بها إلاّ الظلام

mercredi 25 mai 2011

إذا كان لي أن أعيدَ البداية

كثيرا ما راودني السؤال : ماذا لو كان لنا أن نعيد الثورة ؟

في ضوء كلّ الأحداث التي تتالت بإيقاع سريع و مذهل و مفاجِئ، منذ اندلاع الشرارة الأولى، غضبٌ شعبيّ في ذروة العفويّة و حَراكٌ هادِر لم يدَّعِ أحدٌ تنظيمه و توجيهه، وحدَه الإحساسُ بالقهر جمعنا و التمرّدُ على حاجز الصمت المغلوب وجّهنا ، و الرّيادةُ نَعتٌ. هل يمكن أن يفكّر في تلافي الأخطاء من يُقدِمُ على الفعل لأوّل مرّة ؟

لأوّل مرّة يُسَمِّي الشعبُ ناهِبَ ثروته و سارقَ يومه و غده و كاتِمَ حريّته
لأوّل مرّة يَطردُ المسؤولين الفاسدين فيُغادرون تِباعًا مكاتبَهم أذِلاّء
لأوّل مرّة تجرُؤُ الأمّهات على التظاهر في وجه من اعتقل منهنّ الأزواجَ و نكّل بالأبناء
لأوّل مرّة يعتصم الشبابُ في اختلاط و لا أروع فيفترشون إسفلت القصبة و بسمائها يلتحفون
لأوّل مرّة تـُـرفـَعُ الفتياتُ على الأعناق في المظاهرات
لأوّل مرّة تعتلي شابّة شبّاكَ مقرّ اتّحاد الشغل و تلهب حماسَ الجماهير
لأوّل مرّة يخرجُ الشعبُ متظاهِرا و الطاغية لم يُـنْـهِ خطابَه التّعيسَ بعدُ
لأوّل مرّة نقول : لا، مدوّيَة صارمة لكلّ الوعود المُسَكِّنة أو التهديدات السّافرة
لأوّل مرّة يُشتَمُ و يُعَنَّف المحامي و الفنّانُ و الأستاذ و الشيخُ و الفتاة و الطفلُ و العجوزُ و الصحفيُّ و الحقوقيُّ و حتّى الأجنبيّ ، و يهونُ ذلك من أجل الحريّة

ماذا عسايَ أتذكّر و ماذا أسجّل ؟ أحداثٌ كثيرة وقعتْ لأوّل مرّة و العالم يُصوِّرُ مبهوتا يكاد لا يُصدّق. فهل في روعة الفعل الأوّل ما يمكن أن يجعله يُعادُ ؟ و هل إذا أعيدَ سيكون أروعَ ممّا كان ؟
حين تزدحم هذه التساؤلات في ذهني ، تحضرني قصيدة لمحمود درويش

إذا كان لي أن أعيدَ البداية

إذا كان لي أن أعيدَ البداية، أختارُ ما اخترتُ:وردَ السّياج
أسافرُ ثانية في الدّروب التي قد تُؤدِّي إلى قرطبهْ
أعَلِّقُ ظِلِّي على صخرتيْن
لتبني الطيورُ عُشًّا على غصن ظِلّي
و أكْسِرُ ظِلّي لأتْـبَعَ رائحة اللّوز
 و هي تطيرُ على غيمة مُتْربهْ
و أتعَبُ عند السُّفوح : تعالوا إليَّ اسمعوني
كُلوا من رغيفي، اشربوا من نبيذي
و لا تترُكوني على شارع العُمْر وحدي كصفصافة مُتعَبَهْ
أحبُّ البلادَ التي لم يَطأها نشيدُ الرّحيل
و لم تمتثل لـدَمٍ و امرأه
أحبُّ النّساءَ اللواتي يُخبِّئنَ في الشهوات
انتحارَ الخيول على عَتَبَهْ
أعودُ، إذا كان لي أن أعودَ
إلى وردتي نفسها و إلى خطوتي نفسها
و لكنّني لا أعودُ إلى قرطبه

vendredi 20 mai 2011

إهداءٌ من مجهولـة



أهو الفضولُ ؟ أم حاجة إلى الكتابة ؟ أم .. قدَرٌ يجعل دائما كلَّ قصّة فرديّة موازية لقصّة جماعيّة ، لا ندري أيَّ واحدة منهما تكتب الأخرى. و إلاّ فما تفسيرُ تلك المفاجأة التي كانت تنتظرني بعد شهر من الثورة؟وإذا بي أنا التي لم يفارقني هاجس اللقاء في كلّ مكان ذهبتُ إليه،أعثر عليه حيث لم أتوقّع ، في كومة قمامة لم يرفعها أعوانُ التنظيف نكاية في رؤسائهم أو تماشيا مع الفوضى التي عقبتْ الثورة. كان مخطوطا التقطتُه قد لطّختْه الدّماءُ و آثارُ أقدام. أحِبُّ تلك الهدايا التي تقدّمها لكَ الحياةُ خارج المناسبات فتقلبُ بمصادفة حياتَك. حتّى تلك التي كهذه يرمي لك بها القدَرُ أرضًا فتنحني لالتقاطها ممتَـنًّا لأنّكَ تعثّرتَ دون قصد .. بالحبّ. و ماذا لو تكون قد تعثّرتَ بشيء آخر ؟ راحتْ قدماي تتقدّمان حيث لا أرى و نظري عالِق بالمخطوط.



.........................................................................................



" كـنّا قبل الثورة عاشقيْن في ضيافة الكلمات، رتّبَ لهما النّبيذ مقعدَ صدْقٍ فوق مدينة الصّمت. نسينا لبضعة أشهر أن نكون على حذر، ظنًّا منّا أنّ كأسًا متوهّجة و سنفونيّة تتسلّل في رفق إلى الرّوح كفيلان بحراسة العشّاق. إنّ حبًّا وُلِد في زمن الممنوع لا يمكن أن تحميه المتاريسُ المتاحة ضدّ زحف الحزن. أكنّا إذن نتمرّن على رقصة السّعادة أثناء اعتقادنا أنّ اللقاء فعلُ مقاومة ؟ أم أنّ بعض الشجن من لوازم العشّاق؟



التقيْنا ذات مساء من مساءات الثورة. كان همّي كيف أفكّكُ لغمَ الحبّ بعد أن تجشّأ الشارعُ ، كيف أنزع فتيلَ الشوق دون أن تصيبَني شظايا البوح. كنتُ أبحث عن كلمات مُتعذرة اللفظ كما العواطف المترفِّعة عن التعبير ، كما البلد العَصِيّ عن النّحيب رغم عدد الجثث و سواد الحريق. وددتُ لو استطعتُ البكاء ، لا لأنّنا معًا بعد غياب ، لا لأنّي لم أشْـفَ منكَ و أنّي تعيسة بدائي العضال ، لا لأنّنا ثرنا ، بل لجماليّة البكاء أمام حدث مُدهِش لن يتكرّر ، على الأقلّ خلال السنوات المتبقية في عمر كليْنا.



كنّا في غرفة الجلوس مُتقابليْن على مرمَى خيانة من جهاز التلفزة ، ذاتيْن أخرسَهما الذهولُ و الفرحُ و التوجّس، و المنضدةُ بيننا ترثي رحيقَ الموعد ، لا زجاجة و لا أكوابَ و لا حتّى قطعة جبن من زمن البُؤس. لا شيءَ على المنضدة سوى قلميْنا و بضع أوراق بيضاء. أمام زخم الأحداث كلّه خلال الثورة كان لا ينتابُني غير هاجس التفاصيل ن مُتربِّصة دوما بالكتابة، و كانت الكتابة بجواركَ طقسا قديما للبغاء المقدَّس، كنتُ أبحث عن لذة الوجع في فظّ القلم لبكارة الصفحة الأولى، يا للغباء! كان لابدّ أن أقرأ كلّ الذين راودوا تلك اللذة الزائفة. لا أذكرُ أنّي رأيتُكَ يوما تكتب، أكنتَ تخشى أن تتعرَّى أمامي؟ و هل كانتْ رواياتُكَ السابقة مُطارَحَة للفكرة على سرير اللغة بمنأى عن عين رقيب ترصد فعلَ العشق؟ لم أشاهدكَ إلاّ و أنتَ قارِئ. قلتُ لكَ يوما إنّ بيتَكَ يُشبه قاعةَ مطالعة في مكتبة عموميّة. كنتُ أعتبرُكَ كتابا جميلا بعثَرَ أشيائي منذ صفحة الإهداء، و خشيتُ الكارثة في نهايته. و كيف لا أخشى جمالا كان يلزمني عمرٌ من البشاعة لبلوغه.





رقصَتْ تونس في شتاء 2011 على إيقاع الرّصاص ة ثملتْ بأكواب مُترَعَة بالدّماء، كان رقصا غاضِبا صاخِبا أيقظ الأجوار، و كان يُذكِّرُني براقِصة إسبانيّة شاهدناها معًا ذات صيف، أتذكرُ ثوبَها الأحمر مكشوف الظهر و ذيله الطويل المسترسل إلى الأرض تحرّكه في براعة متناهية؟ كانتْ تعقدُ شالاً أسودَ على خصرها، و في شَعرها الأسود الكثيف تشبك وردة حمراء، ملامحُها جادّة صارمة و النّظرة حزينة. كان يلزمها ركحٌ من خشب خاصّ يصمد لكعب حذائها في حركات قدميها العصبيّتين. مَن يحضرْ يوما حفلا لفرقة فلامنكو فلن يجد النّومُ سبيلا إلى جفنيه و إنْ أضناه السّهر.



رقصَ البلدُ على هتاف الحناجر رقصة الموت و الحياة ، و كنتَ بعد كلّ رقصة تعود إلى البيت لتحترف البكاء. قرأتُ لصديقة تقول " كان يومُ 14 جانفي يوما جميلا للموت." ابْـكِ أيّها الشقيّ فالموت يُمازحُكَ مادام يُخطِئكَ كلّ مرّة ليُصيب غيرك ، ابْـكِ و أدخِلْ تعديلا على روزنامتك لتستدلّ على منعطفات عمرك، و اعتمِدْ على التراتب الزمنيّ لإفلاتكَ من الموت، و لا تـُلجِمْ نزعتك للأمل كما لجمتَ نزعتك إلى الغضب، أطلِقْ عنان السخرية من زمن كنتَ تسكت فيه على ضياع حقّ أو تجنّي امرأة أو خيانة صديق. "



...........................................................................................



لم يحْدُث للحبّ أن كان مُجاوِرا للموت إلى هذا الحدّ. أردتُ أن أتساءل كيف يحدث ذلك، لكنّ المخطوط سرق سؤالي و جدّف بي في قِبلة مفاجِئة.. فاستسلمتُ لاجتياح الكلمات.



.............................................................................................



" أدمنتُ شوارع العاصمة ، كان بابُ البحر يُغريني باللقاء ، ربّما لأنّ له مخزونا عاطفيّا في ذاكرتي منذ كنتُ أمرُّ به في مواسم الأعياد رفقة الأهل لنركب القطار الأبيض ، و كنتُ في سنوات الشباب أطيلُ الوقوف أمام مبنى المسرح البلدي و أحدِّثُ نفسي بأنّ بلدا به مثل هذا المبنى ، لا يمكن أن يجور عليه قبحٌ أو ظلم أو غباء. لكنّي بدأتُ أتوجّس ثقافة القبح يوم أبعدوا باعة الزّهور ، و أدركتُ أنّ سياسة الغباء رانَتْ حين أصبح عددُ المُخبرين يفوق عدد الحرفاء في المقاهي ، أمّا عندما اختنق الشارعُ بخيام بنفسجيّة لعرض إنجازات الانقلاب ، أيقنتُ أنّه عهد ظلم. كان بابُ البحر في إدراكي محرارا لحالة البلاد. أحسستُ يوم وصلتْ إليه الثورة أنّ السكّين ترك قطعة الزبدة و انغرستْ شفرتُه في كفـِّي. فرْقٌ كبيرٌ بين أن تتضامن مع مُتظاهِرين و أن تخرج مُتظاهِرا. رأيتـُكَ خلال الأيّام الدّامية للثورة ترصد ذبذبات الشارع تَدخله كما تَدخُل معتقلات الكآبة الجميلة ، كنتُ أدعوكَ لروعة الفِعل فتـُفلِتُ ذراعي لتستأنف حياةً بدأتَها في كتاب ، كأنّكَ موجود لاستئناف حياة الآخرين ، تُفاجِئكَ ألفة المكان ، تَدخُله كبطلٍ في رواية لتتأكّد أنّ الأشياء حقيقة أو لتتأكّد أنّكَ تعيش لحظة حقيقيّة و لستَ هنا لمواصلة التماهي مع أبطال وهميين. مَشاهِدُ توحي لكَ أنّكَ تعرفها و هي ليستْ كذلك ، لحظاتٌ تتوهّمُ أنّكَ عشتَها و هي ليستْ كذلك. فأيُّهما فيكَ الأكثرُ حزنا: القارِئ الذي انطلتْ عليه خدعة الرّواية؟ أم البطل الذي انطلتْ عليه خدعة المُؤلِّف؟ أهيَ مُعابَثَة للذاكرة؟ أم تَـذَاكٍ على الكتابة؟ أم .. حاجَتـُكَ أن تموت لأنّكَ مللتَ ذلّ البقاء؟







في زمن الهوَس المكتوب بالمجازر و بالمَشاهد البشعة ، مَن يُصدِّقُ النّوايا الحسنة لأديبٍ يُتيحُ له القلمُ حقَّ ملاحقة الحدث ببراءة إبداعيّة ؟ ليستْ أخلاق المروءة بل أخلاق الكتابة هي التي تجعل الكاتِب يُفضِّل على نجدة الضحيّة تدوينَ لحظة مأساتها. مَنْ كان يظنُّ أنّ هروبَ الطّاغية فصْلُ الختام فهو واهِم. ها هي ذي الجرائم أمامكَ على مدى البصر، أيّها الكاتِبُ ... قـُـمْ ، فاكتـُـبْ. "



.............................................................................................



في متعة القراءة كلمة عبور و شيفرة ذهنيّة تجعل من الشخص معبودَ ما يقرأ دون عِلمِه. و هذا المخطوط المُلوَّث المُهمَل ، مَنْ دَلـَّه على متعتي كي يسلك ممرّاتٍ سِريَّة للشجَن لم يَعبُرها مكتوبٌ قبله؟ سعدتُ باختراقه جدرانَ حيرتي و شعرتُ أنّي أطوِّقـُه كشَريكٍ في رقصة ، و أتسلـّلُ إلى عالمه الحميميّ. فجأة قرأتُ بفضولِ مَنْ وقع على سِـرّ.



.............................................................................................



" ثمّ رأيتـُـها ... أمام مقهى الكابيتول.

ماذا كانتْ تفعل هناك تلك الصبيَّة الجالسة وحيدة على رصيف الذهول؟ كان الجميعُ منشغِلين عنها بالرّكض في كلّ اتّجاه ، بضع مئات رفضوا الانسحاب من الشارع رغم الغاز الخانِق و الطلقات الناريّة ، كلُّ مَن تعثـَّر أو وهنتْ قدماه عن الرّكض أو اقترب كثيرا من حواجز رجال الشرطة وقع تحت وابل هراواتِهم قبل أن يُحشَر في إحدى سيّاراتهم. كانتْ عيناي تستجديانكَ بين الحشود ، لم تعُد الوجوهُ تساعِد على التمييز بعد أن اشترَكَتْ في الجراح و العيون الجاحِظة ، فرُحتُ ابحثُ عن قميص اشتريناه معًـا أو سُترةٍ خلعتَـها لتـُدَثـِّرَني بها ذات سهرة لنا مع البحر... كان مساءً كريها ، ذعِرتْ عصافيرُ باب البحر و طارتْ بعيدا ، و الفتاةُ جالسة كما لو أنّها تواصِل غيبوبة ذهولها. ماذا تراها رأتْ لتكون أكثر حزنا من أن تبكي؟ فـمٌ أطبَقه الصّمتُ و عينان فارغتان كأنّما تنظران إلى شيء تراه وحدها ، حتّى أنّها لم تتنبَّه إلى ذراعها النّازف ، كانتْ تجلسُ و هي تضمُّ ركبتيها إلى صدرها، ربّما خوفا أو خجلا لأنّها تبوّلتْ و مازالت الآثارُ واضحة على ثيابها. ليتها علمَتْ بأيّة عبثيّة نجَتْ من بين فكـَّيْ الموت لتقع بين فكـّيْ الحياة ، فأنا لا أعلمُ بأيّة قوّة تركتُ الموتَ المترنِّم بلحن البقاء و رُحتُ أكتبُ عن الأحياء في رجفتهم الخرساء.



فجأة يُدوِّي رصاصٌ قريب ، تنتفِضُ الفتاةُ و تصرخ و تستغيث ثمّ تجري بعيدا و تختفي .. و يُظلِمُ الشارع .. و أشعرُ بالبرد ... كما لو أنّ قِطعة حادَّة من الثلج الصَّقيل تخترقُ ظهـ .. ري ... تـُحيط بي أرجُلٌ كثيرة ... وحدَهُ وجهُكَ ينحني إليَّ ... تتعانق عينانا و أسْـلِمُ رأسي إلى صدركَ الخافِق ... ها قد ... عا ... دَتْ ... العـ ... صافير ... "



..........................................................................................











بهذه المقاطع توقـّفَتْ صاحِبة الكلمات عن الكتابة. يبدو أنّ طلقا ناريًّـا جبانا أخرس قلمَها. ها هي ذي الكارثة ، فتفضَّـلْ أيُّها التونسيُّ المُثقَـل بغضبك ، تَرِكَة أخرى في انتظارك فماذا ستفعل باغتيال عاشِقة ضاق بها الوطن فترَكَتْ لكَ ما خالتـْه وطنًـا: مخطوطا في الحبّ و الموت مُغرورقا في حزن الفقدان ، وفاء أنثويّ يُـجهش اعتذارا عن كلّ خيانات البشر. بحثتُ في المخطوط عن اسم أستدِلُّ به أو عنوان أقصده فلم أظفر بدليل. وددتُ لو عرفتُ حبيبَها ، لو أنّ إصابتَها لا تكونُ قاتِلة ، لو أنّها تعودُ بحثا عن دفترها حيث أتلفتْه ، لكن لم يحدُثْ شيءٌ من ذلك. " الذين نحبُّهم ، نُهديهم مخطوطا لا كتابا ، حريقا لا رمادا ، نهديهم ما لا يُساويهم عندنا بأحد." هكذا كتبَتْ أحلام مستغانمي في إحدى رواياتها. و هكذا قرّرْتُ أن أنشُر المخطوط كما كتَبَتـْه صاحبتـُه المجهولة و أن أجعله إهداءً منها لشعب الثورة.