منذ سنين حين ارتميتُ في التجربة التعليميّة كان يدفعني حماس الشّباب أن أغيّر ما بالقوم و لو قسطا ضئيلا. لم يكن التوجّه إلى التدريس حادثا عَرَضيّا أو صدفة أو اضطرارا بل كان اختيارا بملء الإرادة و التصميم. و منذ ذلك الحين انطلقت ، كانت تجربة طويلة و ثريّة ، ليست أطول من تجارب الآخرين أدرك ذلك لكنّها كانت ثريّة.
غريبة هذه المهنة، بقدر ما تُمتِعُكَ بلذّة اكتساب المعرفة و إنارة عقول الآخرين بها بقدر ما تتكَشَّفُ لك حقيقة أنّك لستَ المصدر الوحيد و أنّ لا أحد يمتلك الحِكمة. و يكمنُ السّحرُ كلّ السّحر في مُتغيَّرِها. كلّ ما فيها مُتغيِّر أنتَ و البرامج و أساليبُ تعَلّميَّة المَادَّة و التوجّهات و قوانين الامتحانات و ميولات التلاميذ و مواقف الأولياء و أولويّاتهم و النّظام العالميّ يُحرّك الجميع. فلا قرارَ لكَ. كلّما مَنَّيْتَ نفسكَ بالاستراحة تَركُنُ فيها إلى هدوء فكرك حَدَثَ ما يَرُجُّ الأرض تحت قدميك و إذا بك تعود إلى لِهاثِكَ تركض خلف الاطّلاع و المواكبة و إلاّ فمكانُكَ المُتحف و قهقهة الأجيال الجديدة.
في العشريّة الأولى تمَلّكَني شعور لذيذ بأنّي أشبه المُبشّرين الذين يحملون قيما و حضارة جديدة. ثمّ صار لِزامًا أن أستعينَ في أدائي بالمسرح و الهزلي منه بالذات عَلَّ المعلومة تجد لها نَفَـقًا إلى ذهن المُتلقّي. أمّا في السّنوات الأخيرة فالأمرُ استحال إلى ما يشبه المُهمَّة في مَلجإ للإغاثة، في هذه اليد كتاب و في الأخرى " مَشْرَطٌ " أو " مادّة مُسكّنَة " و أنتَ لا تدري أتسَكِّنُ آلامَ مريضكَ " لعلّ الله يجعل لكما من أمركما رَشَدَا " أمْ تستخدم مشرطكَ و تستأصِلُ الدّاء و قد" يموتُ" مريضكَ بين يديك إذ لا احتمالَ له على الجِراحَة.









