lundi 9 janvier 2012

العَـــــــيِــــــــيُّ

هذه سلسلة من النّصوص أخصّصها لنجوم الفترة و أبطالها و لكم أن تتعرّفوا على كلّ شخص من خلال صفاته، و سأبدأ النصّ الأول بالعَــيِــيِّ

 العَــيِــيُّ

العَييُّ لغةً هو من لا يُحسن الكلام لا عن عيب خِلقيّ في النطق أو جهل باللغة أو ما شابه بل عن إخفاق تامّ بمعرفة مدى مطابقة المقال للمقام فيأتي كلامه مُهوِّمًا بعيدا عن صلب ما يتحادث فيه مجتمع النّاس و قد يجرّ عليه ويلات هو في غنـًى عنها. و العِـيُّ هِـنَة سلوكيّة كرهها العربُ قديما و تندّروا بأصحابها و ضربوا بهم الأمثال في الحمق و عدم تقدير الأمور حقّ قدرها فقالوا قديما " أعْـيَى من باقِـلٍ ". العرب الذين عُرفوا بين الأمم المجاورة و على مرّ قرون طويلة بالفصاحة و البلاغة و اللسان السّليق و الحكمة في القول، يصنّفون العييّ في زمرة الحمقى إن لم نقل الشواذ.
و طبيعيّ أن يكون لكلّ عصر باقِـلـُه و إن تغيّرت أشكال العِيّ و مضامين الكلام و خطورة تبعاته و موقف المجتمع منه. غاية ما في الأمر أنّ هناك فرقا بين عييّ من الرعيّة داخل في العامّة، هذا إن نطق يكاد عِيـُّـه لا يصيبه إلاّ وحده و قد يُلحِق أضرارا متفاوتة هيّنة بمن حوله من أهل و صَحْب كأن يمتدح مطربَه المفضّلَ و هو في مأتم أو أن ينبّه أحدَهم إلى حوادث الطريق بدل أن يهنّئه على سيّارته الجديدة، و بين عييّ بيده الحَلّ و العَقد، وهذا قد يُدخِل بحمقه البلادَ و العبادَ في مآزقَ لا حَدَّ لها و لا حصر و لا مَخرَجَ إلاّ بإقالته إذ لا أملَ يُرجَى في حكمة قوله و سديد رأيه و حُسن تقديره لملاءمة الخطاب للسّياق، كأن يقحم نفسه في شؤون بلد دفع ضريبة ثقيلة لسنوات عديدة جرّاء التطرّف الديني و يشير عليه بأن يشجّع صعود الأحزاب الدينيّة إلى سدّة الحكم. و سواءٌ عليه أنبَّهتَه أو لم تنبّهه فإنّه ماضٍ في خصلته غيرُ مقلع عنها إذ هي جِبِـلّة فيه لا قدرة له عليها. أمّا إذا كان من أهل الحكم و يُخشى أن يتسبّب عِيُّـه في مشاكل جديّة فقد يتّخذ له مستشارا أو ناطقا باسمه يكون وسيطا بينه و بين من يروم مخاطبتهم، و حتّى في هذه الحال فهو لا يمتنع تمام الامتناع عن إفساد الأمور أحيانا كثيرة إذ أنّ العَييَّ غالبا ما يكون أرعن يسارع بالقول دون أن يتشوّف إلى ما قد يجُرُّ كلامه من مصائب.
و صفوة القول إنّ العِـيَّ آفــة لا علاج لها و على المصاب بها أن يسكت درءًا للمزالق و قديما قالت العربُ " لتقلْ خيرا أو لتصمت." أمّا إذا جمع أحدهم بين الحُكم و العِـيِّ فالحلُّ عسير إذ لم يرَ النّاسُ من قبل حاكما أبكمَ، لذا عليه أن يفسح المجال لمن يُحكِم الكلام و يُحسن التقدير.


lundi 26 décembre 2011

إجازة مدفوعة الأجر لإدارة البرامج في التلفزة التونسيّة

استحوذ البثُّ المباشر لمداولات المجلس التأسيسي على نصيب الأسد من الزمن الإعلامي في القنوات  التلفزيّة التونسيّة خلال ساعات النّهار، بفترة صباحيّة و أخرى بعد الظّهر و أحيانا فترة ثالثة مسائيّة  في بداية السهرة. مع ضرورة التنويه بأنّه كان مطلبا شعبيّا عريضا باعتبار أنّ ما يحدث داخل المجلس من نقاشات و عرض لتقارير اللّجان الفرعيّة و تصويت على القرارات، للشعب حقّ الاطّلاع عليه في إبّانه، فقسمٌ كبير منه منح صوته لأعضاء يمثلونه و لولاه لما وصلوا إلى مقاعدهم تلك.
كلّ هذا جيّد و لكن تطفو على السّطح أسئلة عديدة من العبث تجاهلها. فما جدوى بثّ مداولات المجلس في كلتا القناتين الوطنيّتين الأولى و الثانية ؟ و هما توأمان تشتركان في نسبة كبيرة من البرامج عبر البثّ الموحَّد كالأخبار و النشرات الجويّة و مقابلات كرة القدم و بعض المسلسلات، بل أجدُني أتساءل أساسا عن جدوى قناة وطنيّة ثانية بميزانيّتها و أسطول موظّفيها إن لم تكن مختلفة عن القناة الأولى؟ أما كان من الأجدر إعادة النظر جذريّا في أدائها أو التخلّي عنها ربحا للمال العامّ خصوصا و نحن نسمع هذه الفترة عن الوضعيّة الصّعبة للاقتصاد التونسيّ ؟
من ناحية ثانية، ما مدى وجاهة البرامج المقدَّمة خارج فترات بثّ مداولات المجلس التأسيسي و خارج بثّ النشاط الرئاسي المقتصر إلى حدّ الآن على الخطابات الكثيرة و الأحاديث التلفزيّة و استقبال الشخصيّات و الهيئات؟ و هل هذه البرمجة في مستوى الحدث الأهمّ الذي يتابعه التونسيّون بكلّ اهتمام؟ بل هل هي في مستوى توقعات المُشاهد التونسي و تطلعاته بعد الثورة و خصوصا مع كلّ المخاض الذي تعيشه البلادُ في مناطق عدّة منها؟
أقول لكم ماذا يُـقدَّم: مسلسلات قديمة يُعادُ بثها لستُ أفهم لها طائلا أو مبرِّرا و لا أرى لها جمهورا متلهِّفا، برامجُ حواريّة يستميت أصحابُها في استضافة نفس الوجوه تقريبا حتّى صارت بعض الشخصيّات مع احترامي لها، مدعاة للسّخرية حين يتهكّم البعض قائلا: "هل صار فلان مقيما في مبنى التلفزة؟"، و لو فتحتُ باب النقد لاختيار مواضيع الملفـّات و مدى تزامنها و اتّساقها مع أحداث الشارع التونسي لأفردتُ له مقالا قائما بذاته. ثمّ إلى جانب هذين الطبقين، تبثّ القناة الوطنيّة الأولى أو الثانية – لا فرق- أحيانا بعض البرامج الوثائقيّة القديمة أيضا، الضاحكة على ذقن التونسي و السّاخرة من عقله، من قبيل "كيفيّة صيد الخنزير" أو " حياة الأخطبوط " أو " الهندسة المعماريّة في بيوت مدينة تونس" أو "جولة في الجامع الأعظم بالقيروان"... و القائمة تطول. و هذه أيضا لو تحدّثت عن مدى تنافرها مع ما يحدث في الحوض المنجميّ مثلا أو في كليّة الآداب أو في أيّ منطقة مُعدَمَة تعيش دون عتبة الفقر، و ما تقتضيه هذه الملفات السّاخنة من زيارات ميدانيّة و أشرطة وثائقيّة و شهادات حيّة و تحميل أصحاب القرار لمسؤوليّاتهم ... للزمني الأمرُ مقالا آخر أيضا.
لستُ أوجِّه حديثي للقنوات التلفزيّة الخاصّة، إذ ما من عَمَار بيني و بين أيّة مؤسَّسة كانت لا أعلم مصدرَ تمويلها، و التي تبثّ بين البرنامج و الآخر مجموعة من المُعدَمين – لعن الله الفقرَ- يلهجون بحمد صاحبها، مَشاهِدُ عاشت و عشّشت و فرّختْ بيننا منذ أكثر من خمسين سنة. و لكنّ خطابي مُوجَّه للتلفزة الوطنيّة المقتطِعة من ميزانيّة الدولة التي يدفع التونسيّون لها الأداءات و الضرائب و فواتير الكهرباء.
أين إدارة البرامج في مؤسّسة التلفزة التونسيّة ؟ هل دخلت في سباتها الشتويّ بفضل مداولات المجلس التأسيسي و خطابات رئيس الدولة الكثيرة و نشاطه الرئاسي الكثيف؟ كيف ستؤثـِّث ساعات البثّ بعد انتهاء تلك المداولات – إذ لا بدّ لها أن تنتهي على الأقلّ استجابة للقدَر- ؟ أين إدارة الإنتاج؟ و ماذا أعدّت للساعات المتبقية من اليوم؟ أم أنّ حظّ التونسي دائما طبقٌ باردٌ في وسائل إعلامه كما على طاولته؟
إن كانت لا هذه الإدارة و لا تلك بصدد العمل و الاجتهاد و الإنتاج و الحركة رغم الميزانيّة المرصودة لها و رواتب موظفيها و امتيازات مديريها، فهي إذن إجازة طويلة مدفوعة الأجر. لا عجب حينئذ أن يمرّ مستوى نموّنا الاقتصادي بصعوبات حرجة.

mardi 6 décembre 2011

موهبة الجمع و المنع

حدَّث صاحبٌ لنا قال
اجتمع قومٌ في المسجد ممّن ينتحل تحليل الجهاد و تحريم عيش النّساء من دون العباد، و قد كان هذا المذهب عندهم كالنَّسَب الذي يجمع على التّحابب و كالحلف الذي يجمع على التناصر، و كانوا إذا التقوا في حلقتهم تذاكروا هذا الباب و تطارحوه و تدارسوه التماسا للفائدة و استمتاعا بذكره. و بينما هم كذلك إذ اندفع شيخٌ منهم فقال: " لم أرَ في وضع الأمور مواضعها و في توفيتها غاية حقوقها، كسُراقة الجَبَليّ." قالوا: " و ما شأنُ سُرَاقةَ هذا ؟ " قال: " أهدى إليه العامَ إبنُ عمّه سَامْ أرضًا عامرة خصيبة، أهلـُها بين ماجنٍ سائبٍ و تائب كاذب و عاطل في الشّغل راغب. فرأيتـُه كئيبا حزينا مفكّرا مطرقا، فقلت له: ما خطبُكَ يا سُراقـَة؟ قال: أنا رجلٌ لا أقرأ، و لا عهدَ لي بتدبير حال البلدان و قد ذهب الذين كانوا يدبّرونه، و قد خفتُ أن يضيع بعضُ هذه الأرض و لستُ أعرف وضع جميع الأمور في نصابها و قد علمتُ أنّ الله لم يخلق فيها و لا في غيرها شيئا لا منفعة فيه و لكنّ المرء يعجز لا محالة. و لستُ أخاف من تضييع القليل إلاّ أنّه يجرّ تضييع الكثير

أمّا العِلمُ ، فالوجه فيه معروف، و هو أن لا حاجة بنا للعلوم الصّحاح و لا إلى لغات الكفرة السُيّاح، و لنا في السّلف الصّالح خيرُ مَعين و به نلوذ و نستعين و في كتبه العلمُ المُبين. و أمّا دُورُ  الدُفِّ و الوترْ ، و الصّورة و الخَبَرْ فإنّهم لي مُوالون و بحمدي يسبّحون. و أمّا الرّؤوسُ العامِرَه و الحناجرُ الهادِرَه فسبيلـُها أن تـُكسَر ثمّ تـُطبَخ، فما ارتفع من الدّسَم فللمصباح في الليالي المُظلمة، أمّا العظام فيُوقَدُ بها. أمّا الأجورُ فشأنـُها أن يَجمُدَ سَيْرُها و يؤولَ إلى بيت المال رُبعُها. ثمّ قال : بقيَ عليَّ الانتفاعُ بالدّماء، و قد علمتُ أنّ الله عزّ و جلّ لم يُحرّم من الدم المسفوح إلاّ شربَه و أنّ له مواضعَ يجوز فيها و لا يُمنَعُ منها، و إن أنا لم أقعْ على علم ذلك حتّى يوضَع موضعَ الانتفاع به صار كَيَّة في قلبي و قذى في عيني و هَمـًّا لا يزال يعودُني. ثمّ ما لبث أن تبسّمَ، فقلتُ : ينبغي أن يكون قد انفتح لك بابُ الرّأي في الدم. قال: أجل، ذكرتُ أنّ قصرَ الخلافة قد تصدّعت جدرانُه و تهدّمت أركانه، و قد زعموا أنّه ليس شيء أزيد قوّة لبنيان السّلطان من التلطيخ بالدم الحارّ الدّسم، و قد استرحتُ الآن إذ وقع كلّ شيء موقعَه

قال شيخُهم: ثمّ لقيتـُه بعد أشهُرٍ عشر ، فقلتُ له " كيف كانت جباية العام؟" قال " بأبي أنتَ ، لم يَحِنْ وقتُ الجباية بعدُ، لنا في النِّـقاب حوارٌ و حساب، و لكلّ شيء إبّانٌ

فضرب أحدُ الحاضرين الأرضَ بقبضة يده ثمّ قال: لا تعلمُ أنّكَ من الفاسقين حتّى تسمع بأخبار الصّالحين

اقتباسا لقصة " معاذة العنبريّة " للجاحظ

dimanche 4 décembre 2011

الأوغــــــــــــــاد

كلّما امتدّت يدٌ، غابت حجّة و عجز عقلٌ و وَهَنت إرادة و ضَعُفَ موقف. فالـلّعنة على الأوغاد

dimanche 20 novembre 2011

الكــــــرسي

لماذا صرتُ أطيل فترات الوقوف و أزداد تجنّبا للجلوس فتطفو خصلتي المثيرة لعجب البعض و أحيانا لانزعاج بعض الكتل الجالسة دوما كفصيلة الرخويّات؟ اللعنة على الكرسي. معروفة أنا بإيثاري الوقوفَ أو الحركة في العمل و في البيت رغم الإرهاق الجسديّ و كأنّي "مولودة على غار نمّالة" حسب تعبير بعضهم، فإذا جلست، تورّمت قدماي و وجدتُ النهوضَ أثقل و أشدّ إيلاما. ملعونٌ ذلك الكرسيّ. و من بين كلّ الذكريات السيّئة العالقة، لا أعبأ إلاّ بتلك الوقعة المدوّية حين سُحِبَ الكرسيّ من خلفي   – خطأ- و أنا أستعدّ للدنوّ إلى مائدة الطعام في أحد المآتم، كنت بنت سنوات سبع لكنّ الذكرى أبَدا حاضرة و الوقعة جِدُّ مهينة. تـبّا لذلك الكرسيّ. لماذا يشغل كبيرُ الأسرة دائما نفس الكرسيّ على المائدة و لا يجرؤ عليه غيرُه، فإذا مات ظلّ كرسيُّه فارغا ينغّص على الأحياء مأدبات الغداء و العشاء و الويل لمن يجلس فيه، سيُنعَت بالصفاقة و موت الشعور. ما أتعس الكرسي. و كيف يتبجّح بعض المؤمنين بأنّ نبيّ الله سليمان مات على كرسيّه دون أن تتفطّن الرعيّة الغبيّة – و كأنّ هناك فرقا بين حاكم نائم و حاكم ميّت – و أنّه ظلّ كذلك مائة عام أو ألفا لا أدري فللرّواة دائما مشكلة مع الأرقام. كم هو مثير للشفقة ذلك الكرسيّ. أذكر في آخر العهد البورقيبيّ أحدَ كبار الموظفين في القصر الرئاسي   – رغم المنصب و درجة التعليم- كانت مهمّته حَملُ الكرسيّ خلف الزّعيم خلال جولاته. بئس المهمّة و بئس الكرسي. من بين كلّ الكراسي، هناك الأكثر تطرّفا و هو كرسيّ قوّاد المومس حين يجلس في انتظار المعلوم من الزبائن، كرسيّ قد يراوغ أحيانا الغايةَ التي صُنع لأجلها فيصلح ليُهشَّم على رأس حريفٍ خانه المالُ أو خانته الرّجولة. ما أقبح ذلك الكرسي. بعضُ أنواع التعذيب يتمّ على كرسيّ و إذا ألمّ بإحداهنّ مخاضٌ قديما أجلسوها على كرسيّ ، و الإعدامُ بالكهرباء أداتُه كرسيّ. بغيضٌ كذا كرسي.
ما جلس حاكمٌ عربيّ على كرسيّ و قام عنه في تلقائيّة، بل ما جلس حاكم عربيّ على كرسيّ إلاّ و نـُفِضَ عنه كما يُنفَض السجّادُ القديم. سحقا للكرسي.
كلّ ما يثير غيظي في الموضوع برمّته، أنّي في حساسيّتي الشديدة من الكرسي أجد موقفي قد يلتقي مع بعض قوارض الخليج حين أفتوا بتحريم جلوس المرأة على الكرسي. تبّا، هؤلاء رَهطٌ لا أطيق أن يكون بيني و بينهم وجه شبه في شيء و لا أن يجمعني بهم حتّى كرسيّ في الجنّة. أفضّل الوقوف في عالم آخر.

بابلو نيرودا حين تكون الثقافة معبَرا للسياسة

مقالي الأسبوعي بجريدة "المغرب" الأحد 20 نوفمبر2011



1904 - 1973
       
            ممّا قرأت بعد الثورة – و الحصيلة هزيلة في الحقيقة – رواية أهدتنيها صديقة لي، من تأليف انطونيو سكارميتا و تعريب صالح علماني، عنوانها " ساعي بريد نيرودا ( صبر متأجّج )" و هي إصدار جديد بتاريخ السنة الجارية. كتب تقديمَها ظافر ناجي: ساعي بريد نيرودا، حين يصبح الشعر ماهيّة للرواية. هي حقّا رواية بطعم الفاكهة، تبدؤها فإذا أنت متورّط فيها حدَّ المتعة، تنال من كلّ حواسّك      و تسحبك إلى عالمها فلا تملك منها فكاكا قبل أن تقرأ الجملة الأخيرة. قد يعتقد البعض أنّ تشابك الأحداث و تشويق الوقائع هما اللذان يشدّان القارئ، لكنّ الحقيقة غير ذلك، بل هي على العكس تماما رواية شحيحة الشخصيّات قليلة الأحداث يمكن تلخيصها في كلمة نيرودا و هو ممَدَّد على فراش المرض ردًّا على ساعي بريده "ماريو خيمينث" وهو يسأله عمّا يشعر فيجيبه بكلّ بساطة: " أشعر بأنّي أحتضر.  و باستثناء ذلك ليس هناك ما هو خطير." أيّة مفارقة أجمل من لعبة اللغة توحي و تسخر و تمكر؟ لغة هي النسيج و اللباس و الرّائحة و الالتباس. تلتبس عليك الأحداث فلا تعرف ما الواقع و ما الخيال و ما السّحر، و تلتبس عليك الشخوص و الشخصيّات و الأشخاص فتتساءل: من البطل؟ و لا جواب.. كلّهم أبطال و لا بطل.
          " ساعي بريد نيرودا" أراد لها كاتبُها أن تكون رواية المسارات و الأقدار، أمنية رجل بسيط في أن يصير مشهورا و حلم شابّة بالحبّ و خوف أمّ على ابنتها و تاريخ وطن هو الشيلي في لحظة عاصفة على أيّام سالفادور ألندي في صعوده المظفَّر و سقوطه المدَوِّي الذي أحبط حلم ملايين البشر في ديمقراطيّة حقيقيّة و استبدله بكابوس أعتى الدكتاتوريّات العسكريّة التي عاشتها أمريكا اللاّتينيّة. هي رواية تتقاطع فيها الأقدار التي يفترض أن لا تلتقي. قدَرُ البحّار البسيط الذي يتحوّل بضربة حظ إلى ساعي بريد .. قدَرُ بابلو نيرودا الشاعر المناضل الشهير المنغرسُ في حياة البسطاء و تفاصيل خلافاتهم و حاناتهم الشعبيّة و هو ممزَّق بين السياسة و السّفارة المحتمَلة و بين القصيد و الجائزة المنتظرَة .. قدَرُ " ماريو" و هو يشحب حبًّا لـ"بياتريث" .. و قدَرُ بلد هو الشيلي يُمتَحَنُ في ديمقراطيّته .. مفارقات هي قمّة التناسق في التقائها، تماما كما تلتقي ماهيّات البحر و الحبّ و اللغة في اللاتناهي. إنّها ببساطة رواية مجدولة من ضفائر حكايتين أساسيّتين: حكاية حبّ فرديّة و حكاية ثورة شعبيّة. و ما الفرق حقّا ؟
يوم زفاف "ماريو" من "بياتريث" لبس نيرودا أفخر ما لديه، كان الزواج الكنائسيّ تدريبا على استلامه لمهامّه كسفير للشيلي الشيوعيّة في باريس.
          نحن إزاء رواية علامة في تاريخ الأدب العالمي. رواية، الشعرُ مبدؤها و منتهاها و مرجعُها   و مبتغاها فكلّ وظائفها السرديّة و أحداثها المفصليّة شِعرٌ على شعر، فالبحّارُ صار ساعي بريد للشاعر  و منه بدأ يسرق الأبيات قبل أن يسرق الصنعة ليغوي بها حبيبته، و الشاعرُ صار نجما بالشعر،         و بالشعر أصبح مناضلا.. علامة تؤكّدها الضجّة التي صاحبتها بعد أن تحوّلت الرواية إلى فيلم ثمّ إلى مسرحيّة  و رُشِّحت إلى أكبر الجوائز العالميّة و تُوِّجت بالعديد منها.. علامة تنساب المتعة مع سطورها كخَدَر الحبّ في العروق لذلك فهي تكره القارئ المُهَذَب و تنشد قارئا شبِقـًا لا ينتهي من الصفحة حتّى يستزيد إلى أن يفقد الوعي ... أي يسترجعه.
و مع ذلك، لم نسمع تصريحا للسياسيين الشيليين أنّ نيرودا سكّيرٌ فاسد و لم يسعوا إلى طمسه و تهميشه كعَلـَم من أعلام الثقافة الشيليّة.

dimanche 13 novembre 2011

ارفعوا الوصاية على الثقافة

مقالي الأسبوعي الصادر بجريدة " المغرب " اليوم الأحد 13 نوفمبر 2011

          " مارلا أولمستيد " صبيّة أمريكيّة من مواليد 2001 تسكن نيويورك، من أسرة عاديّة جدّا ككلّ الأسر متوسّطة الدّخل، يعمل الأب محاسبا أمّا الأمّ فممرّضة لدى طبيب أسنان، يدفعون الضرائب و يتنقلون إلى الكنيسة كلّ يوم أحد. حين تتأخّر الأمّ في العمل أو تعرّج على الأسواق لاقتناء حاجيات العائلة، كان الأب يُضطَر للبقاء بالبيت و رعاية ابنته إذ لم يكن في مدّخراتهما متّسَعٌ لاستخدام جليسة أطفال، فكان يشغل وقته ذاك بشيء من الرّسم من قبيل الترويح عن النفس لا أكثر، و كانت الطفلة  ذاتُ السنوات الأربع تطوف به و تزعجه كما يفعل كلّ الصّغار للفت الانتباه. لكنّه بدل انتهارها، أعطاها ورقة و فرشاة و بضعة ألوان. ظلّت ترسم و ترسم بالليل و النهار و في كلّ ركن من البيت، و لم يُعر الوالدان اهتماما إلاّ عندما امتلأت أرجاء المنزل بالرّسوم التجريديّة الصّاخبة. كانت تطلق الأسماء على لوحاتها فهذه " سلّم إلى السماء" و تلك " عندما كنت في بطن أمّي" و أخرى " نافذة من الأرض" ...
و كان للأسرة صديق يملك مطعما، شاهد الرّسوم في إحدى زياراته فاقترح على الأبوين عرضها في محلّه، استشارا ابنتهما فوافقت ببراءة على البعض لكنّها اعترضت على البعض الآخر لأنّها غير مكتملة فنزلا عند رغبتها. لاقت رسوم "مارلا" إعجابا و إقبالا من روّاد المطعم و أعرب كثيرون منهم عن رغبتهم في اقتناء بعضها، حينها اتّصل الصديق بالأبوين ليسأل إن كانا قد فكّرا في تسعير اللوحات، فالإقبال على شرائها يزداد يوما بعد يوم. في الحقيقة لم يكونا قد تنبّآ بأنّ رسوم طفلتهما قد تلاقي مثل ذاك القبول، و لكنّ العكس هو ما حدث. صادف أنّ أحد زبائن المطعم كان صحفيّا في جريدة يوميّة كتب مقالا بعنوان " طفلة في الرّابعة من عمرها تبدع في الرّسم التجريدي " و سرى الخبرُ بسرعة البرق. توافد على الأسرة الإعلاميّون و منتجو البرامج التلفزيّة و النقّادُ و الفنّانون. و أخيرا أقيم معرض "مارلا " الأوّل، و لاقى إقبالا كبيرا ، و قد باعت خلاله 43 لوحة. و أصبحت تتصدّر المجلاّت الفنيّة و يتزاحم علي استدعائها مقدّمو البرامج، و صار بيتها يعجّ بالصحفيين و المصوّرين و المنتجين السينمائيين. يكفي أن تنقر اسمها على موقع القوقل أو الويكيبيديا لترى رسومها.

للحقيقة لم أشاهد طيلة الشريط الوثائقي عن هذه الرسّامة الصغيرة أنّ أبويها اتّخذا قرارا يخصّ فنّها دون الرّجوع إليها و إن كانت آراؤها ساذجة، و لم يجيبا على أسئلة الإعلاميين بدلا عنها، كانت تجرّ الفريق الصحفيّ بأكمله خلفها حسب ما تقتضي براءتها الطفوليّة و قد لا تجيب إلاّ بإيماءة فيقنعون بذلك و أحيانا تسهب في الكلام عن رسمها فيصمت الجميعُ حتّى تفرغ من حديثها. كما لم أشاهد معلّمتها تدّعي أنّها تنبّأت بنبوغ الطفلة و كانت تشجّعها على ممارسة الرّسم ، و لم أشاهد عمدة نيويورك يلتصق بالصبيّة لالتقاط صورة خدمة لحملته الانتخابيّة، و لم أشاهد قسّ كنيسة الحيّ يخصّص صلاة الأحد ليُؤلّبَ المؤمنين على هذين الأبوين الذين " يصرفان ابنتهما عن طريق الربّ " بعرض صورها في المجلاّت الفنيّة "الخليعة" و على شاشات التلفزة و أنّ لوحة مثل "سلّم إلى السّماء" تـُعَدُّ كفرا و اعتداءً على مشاعر الأتقياء من المسيحيين ، و لم أشاهد رسّامين كبارا يقلّلون من قيمة رسوماتها و يحشدون ضدّها حملة تشهير خشية المنافسة. لم أر من هذا شيئا. بل رأيت مجتمعا يحتفي بطاقة إبداعيّة تفتّقت في عفويّة لتخطو خطواتها الأولى و يمدّ إليها يده دون وصاية أو صدّ.

لن أسقط في المقارنة فليس منها طائلٌ. وحدها هذه القصّة الحقيقيّة تفي بالغرض.


lundi 31 octobre 2011

هل كانت ثورة ثقافيّة ؟

مقالي الصادر بجريدة " المغرب " عدد الأحد 30 أكتوبر2011



فلنصارح أنفسنا و لنجابه الحقيقة العارية. لقد اندلعت في صفوف فئات عانت عقودا من الفقر و الجوع و البطالة و التهميش، و كان أهمّ شعار رُفِع خلال المظاهرات الأولى " التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق " فالقوم هنا انتفضوا عندما كلَّ حِملهم ممّن سرق الثروات و عطّل الشباب عن العمل. و هذا أشبه بانتفاضة علي بن غذاهم ضدّ المكوس و الجباية. لا أذكر أحدا ثار من أجل تشويه الثقافة و أعلامها أو تهميش المعرفة و تجفيف منابعها أو توجيه الإعلام لخدمة النّظام أو التضييق على الفنون أو تهجير الأدمغة و الكفاءات... بل لا أذكر شعارا واحدا رُفِع في هذه المجالات. حين قال بعض الأجانب إنّها " ثورة جياع " كابرنا و ثار فينا الصّلفُ و غضبنا و رفضنا التوصيف الجارح لكرامتنا، رغم أنّه كان فينا مَن احتفل بنهاية السنة الإداريّة و تبادل الهدايا و التهاني و دماءُ بعض الأهل تسيل في داخل البلاد. حين اتّسعت رقعة الغضب و جوبهت بقمع أشدّ ، توجّسنا أنّ الأحداث يمكن أن تتمخّض على انتفاضة جادّة تعيد للأذهان حوادث 26 جانفي 1978 حينها التحقت بها النّخب و ألبسَتها لبوسا مثقـَّفا ممنهجا  و صدّقت نفسَها و الادّعاءَ بعد أن نضجت حبّة القسطل و امتدّت إليها يدُ القطّة و لم يبق على المثقفين و الأكاديميين و "المحلّلين" و كم تكاثروا إلاّ أن يزيلوا قشرتها و يلتهموها، فصارت ثورةَ الكرامة و نادت بحريّة التعبير. لكنّ الفقير بقي فقيرا و العاطل ظلّ عاطلا و السّارق لم يُحاسَب و القاتل لم يُعاقَب و لم تحدث الرجّة الفكريّة التي هي في نظري أهمّ من طرد الأشخاص و استبدالهم بآخرين ، فبقيت العقليّات على حالها.
فلا عجبَ أن يتعامل ناخِبٌ مع ورقة الاقتراع بعلامات الفوز و الهزيمة و التعادل كما يفعل بقسيمة التنمية الرياضيّة، ألم يَعْمَدْ النّظامُ السابق طيلة عقدين إلى دفع ثقافة الملاعب و تهميش المعرفة ؟
و لا غضبَ أن يُحدِثَ وَعدٌ بخروف فارقا انتخابيّا.
إذا كان المستوى التعليمي للتلميذ في انحدار متواصل مع فقدان شغفَه بالدّراسة، و ظلّ المُعلـِّمُ متمسِّكا بلغة صعبة مترفـِّعة و أسلوب تلقين جافّ فإنّ هناك خللا في بيداغوجيا التواصل. هذا ما لم تدركه بعضُ النّخب السياسيّة فكان مشروعُها حداثيّا واعِدا لكنّه جاء بعيدا عن مشاغل المواطن الكادح. في حين لوّن البعضُ الآخرُ خطابَه بلون المتلقِّي، تنقّلوا في السيّارات الفخمة إلى المناطق المرفَّهَة و تكلّموا باسم الديمقراطيّة و الحريّات الأساسيّة و حقوق الإنسان ... لكنّهم عندما التحموا بالجماهير في المناطق الفقيرة ساروا مترجّلين بهندام بسيط متواضع و غيّروا خطابَهم باتـّجاه التركيز على العدالة في توزيع الثروة و قدّموا الوعود بالرّعاية الصحيّة و بتحسين المقدرة الشرائيّة و غلّفوا كلّ هذا بوازع الأخلاق و المعتقد، بل و مرّوا مباشرة إلى الخطّة العمليّة بتقديم المساعدات. سَمِّـه ما شِئـت، تلوّنا ، مغالطة ، تلاعبا بالمشاعر العامّة ... تلك هي السياسة. و صناديق الاقتراع قالت كلمتَها الفصل.
و إنّه لمن الغرور، في ثورة الغضب ، نعتُ الشعب الذي اختار بالجهل و الوضاعة، فالحكمة السياسيّة تقتضي اليوم إعادة القراءة في أساليب العمل و لغة الخطاب و أنماط التعاطي مع القواعد الجماهيريّة. و الثورة التي لا تغيّر العقليّات لا يمكن أن تحرّر الإرادة و لا أن تحسّن علاقة الشعب بممثـِّليه. فلـنُـفِقْ لأنّ بلادنا مازالت بحاجة إلى عمل طويل و مُضنٍ للارتقاء بها إلى درجة النضج الثقافي و الوعي السياسي بدءًا بتقديس المعرفة.

jeudi 27 octobre 2011

تجليات في هيكل الثورة




في معارضة لقصيدة الشابّي " صلوات في هيكل الحبّ " كتبتُ هذه الكلمات
جريدة " المغرب " عدد الأحد 23 أكتوبر 2011 

ثورة أنتِ كالبرق كالرّعد كالسّحابِ المديدِ
كالسّماء الغضوب كاللّيلة الظلماء كالجُرح كصراخ الوليدِ
يالها من رياحٍ توقظ الرّهبة
في قلب الشقيّ العنيدِ
أيّ شيء تراكِ؟ هل أنتِ هامَة " الفاضِلِ" تهادَتْ
بيننا من جديدِ
لتعيدَ الغضبَ الثوريَّ للشباب المحطَّم المكدودِ
أم "الكاهنة" جاءتْ لتُحيِي روحَ الكفاح العتيدِ
أنتِ .. ما أنتِ .. أنتِ صرخة رفضٍ
من شعب مُكبَّلٍ بالحديدِ
فيكِ ما فيه من إرادة و إلهام و سِحر فريدِ
أنتِ .. ما أنتِ .. أنتِ فجرٌ من الياسمين
أزهرَ على قبر أمَلي الفقيدِ
فارتوَتْ روحيَ العطشَى و تجلّى النّورُ لقلبيَ المعمودِ
أنتِ روحُ الشتاء تختال في البلاد
فتهتزّ للظّلم واهِياتُ المَشيدِ
و يُدوِّي حُرُّ الوجود بالتّغريدِ
كلّما هتف الشّعبُ خفق القلبُ للحياة
و أزهرَتْ الدّماءُ في حقل عمريَ المجرودِ
أنتِ تُحيين في الشعب ما قد مات في الأمس البعيد الفقيدِ
و تشيدين في خرائب النّفس ما تلاشَى في عهد قهر مديدِ
من طموح إلى العدل و الجمال و انعتاق الطّائر الغرّيدِ
أنتِ أنشودة الأناشيد غنّاكِ " أبو القاسم" إلهُ القصيدِ
منكِ هبّ  الشبابُ يدفعُه حبُّ الحياة و سحرُ الصّمودِ
و تهادَى بكِ في الشوارع فتمايَلتِ
كلحن عبقريِّ الخيال شجيٍّ شديدِ
و خطوتِ سَكرَى بالدّماء و بالأناشيدِ
أنتِ .. أنتِ الحياة في وجهها الحُرِّ و في سحرها المنشودِ
أنتِ .. أنتِ الحياة في غضب الخريف
و في ديمة السّماء الوَلودِ
أنتِ .. أنتِ الحياة في هتاف الشباب
أنتِ قوسٌ من الألوان و الأحلام و الأنوار و الأزهار و الفضاء السّعيدِ
أنتِ فوق المقدام و الرّعديدِ
أنتِ فوق العمالة و الخيانة و المهانة و السّياسة و الوعودِ
و فوق كلّ الحدودِ
يا ابنة الشّعبِ إنّني ها هنا قد سئمتُ وجودي
فذريني أعيشُ في ظلّكِ و في قرْبِ نصركِ المشهودِ
عيشة البلبل الوحيد يناجي الحريّة
في نشوة الذّهول الشّديدِ
و ارحميني فقد تحطّمتُ في بلدٍ
من القهر و الصّمت و الظلام المشيدِ
أنقذيني من اليأس فلقد ملّتْ روحي جمودي
و انفثي فيَّ مرحَ الحياة و شُدِّي من أزريَ المكدودِ
و ابعثي في دمي دفأكِ عَلِّي أتغنَّى بالمُنَى من جديدِ
آهِ يا ثورتي العظيمة لو تدرين ما جَدَّ في فؤادي العَميدِ
في فؤادي الغريب تولَدُ أكوانٌ من الحُبّ رائِع التغريدِ
و شموسُ برّاقة و نجومٌ و شموعٌ و حدائقُ كالنّعيم المَديدِ
و بحارٌ كاللؤلؤ و سماءٌ كنُثارُ الورودِ
و ترانيمُ و أصوات رائعات النّشيدِ
و حياة فكريَّة هي عندي قبَسٌ من حياة أهل الخلودِ
كلّ هذا تشيدُهُ هالَة من إلهام نوركِ المعبودِ
فحرامٌ عليكِ أن تهدِمي ما شادَهُ الأملُ في فؤادي الشّريدِ
و حرامٌ عليكِ أن تبعثري أحلاما تصبو لعيشٍ جديدِ
منكِ ترجو أفقـًا طلقا لم تجدهُ في حياة الوجودِ
فالإلهُ الرّحيمُ لا يَرجُمُ العبدَ إذا كانَ في مَقامِ الشّـهيدِ

dimanche 16 octobre 2011

النــغم الـرَّمـــز



مقالي الصادر بجريدة "المغرب " اليوم الأحد 16 أكتوبر2011

أحيَتْ بلادُنا يوم أمس 15 أكتوبر ذكرى الجلاء. يوم مشهودٌ من أيّام تونس الخالدة، امتزجت فيه العزّة بالألم و ما نيلُ العزّة إلاّ بالتضحيات الأليمة. معركة ارتوت فيها الأرض بدماء الشهداء و مادت السّماءُ بأرواحهم الزكيّة، و رجالٌ عاهدوا الوطنَ على الموت حبًّا، فعرّضوا صدورهم للرّصاص في سبيل خروج الأجنبيّ من الدّيار، فتحقّق الجلاء. الجميلُ في "تونس الجميلة" على حدّ تعبير الشابّي أنّنا كلّما ذكرنا الجلاء قفز إلى الأذن و القلب و الذاكرة نشيدُ "بني وطني " للرّائعة عليّة ، قصيدٌ جبّار للعملاق الفذ عبد المجيد بن جدّو و تلحين الشادلي أنور. فجاء العملُ قامة إبداعيّة سامقة كلمة و لحنا و أداءً ، فكان و لا يزال رمزا لذكرى الجلاء. و البديعُ أنّ الرّاحلة عليّة أدّت هذا النّشيد سنة 1961 أي سنة معركة الجلاء التي دارت في جويلية 1961 و رغم ذلك فقد ترفّع العمل عن كلّ أشكال الارتجال. لا أكتمكم أنّي و بحكم اختصاصي في اللغة العربيّة التي نذرتُ لها حياتي المهنيّة، قد همتُ هياما بهذه القصيدة. و لا زالت تعتريني قشعريرة لحظة سماعها بل إنّ فيها بيتا بعينه أذرف من لظاه الدّمعَ حارّا إلى اليوم رغم تقادم السّنين. قصيدة تأسرك بذاك الاقتدار العجيب في توظيف اللغة للصورة الشعريّة ذات الدّلالة العميقة، نَفَسٌ وطنيٌّ تسربل بوجدانيّة عالية، لا شكوى و لا انتحابَ على مَن قضوا نحبَهم بل اعتبار موتهم معراجا للحقّ في حياة كريمة. هذا نصّها:

بني وطني يا ليوثَ الصّدام و جندَ الفدا

نريد من الحرب فرضَ السّلام و ردَّ العدا

لأنتم حماةُ العرين أباة

نشدتم لدى الموت حقَّ الحياة

مدًا و مدَى و كنتم تريدون سُبْلَ النّجاة

و رُسْلَ الهدى

أردنا الحياة و رُمنا العُلا

و في حقّنا لا نخاف البلا

و من دمنا قد صبغنا رِدَا

رفعناه فوق البلاد لواء

فماس به الأفقُ حين بدا

فإمّا حياة و إمّا فلا

فلو كان للخصم رأيٌ سَدَاد

و عقلٌ يميل به للرّشاد

و يردعه عن ركوب الرّدى

لما اختار نهجَ الوَغَى و الجِلاد

و سالت هباءً دما الأبرياء

فإمّا حياة و إمّا فلا

و عن ثغر بنزرت نبغي الجَلا

فلسنا نعيش و نحيا سُدَى

فمغربُنا يا فرنسا غدَا

ينادي الجلاء، الجلاء الجلاء



اليوم مرّ أكثر من عشرة أشهر على ثورة الحريّة و الكرامة. ثورة أطاحت بعقدين و نيف من الجبروت و الاستبداد، ثورة تسير بتؤدة في طريق زلقة لتؤصِّل كيانَ التونسيّ الجديد، فماذا كُتِبَ فيها؟ و ماذا أنْشِدَ عنها؟ إنّي أهيبُ بأهل الأدب و الفنّ و الثقافة و الإبداع أنْ خَلِّدوا تاريخَ تونس و تضحياتها ففي عمر الأمم و الشعوب لحظاتٌ من ذهب وحده الإبداعُ يجعلها شعلة لا تخبو لتتّقدَ بها نارُ الإنسانيّة التوّاقة أبدًا إلى الحريّة.