jeudi 3 décembre 2009

ذكريات كالرّمال المُتحرّكَة


منذ سنين حين ارتميتُ في التجربة التعليميّة كان يدفعني حماس الشّباب أن أغيّر ما بالقوم و لو قسطا ضئيلا. لم يكن التوجّه إلى التدريس حادثا عَرَضيّا أو صدفة أو اضطرارا بل كان اختيارا بملء الإرادة و التصميم. و منذ ذلك الحين انطلقت ، كانت تجربة طويلة و ثريّة ، ليست أطول من تجارب الآخرين أدرك ذلك لكنّها كانت ثريّة.

غريبة هذه المهنة، بقدر ما تُمتِعُكَ بلذّة اكتساب المعرفة و إنارة عقول الآخرين بها بقدر ما تتكَشَّفُ لك حقيقة أنّك لستَ المصدر الوحيد و أنّ لا أحد يمتلك الحِكمة. و يكمنُ السّحرُ كلّ السّحر في مُتغيَّرِها. كلّ ما فيها مُتغيِّر أنتَ و البرامج و أساليبُ تعَلّميَّة المَادَّة و التوجّهات و قوانين الامتحانات و ميولات التلاميذ و مواقف الأولياء و أولويّاتهم و النّظام العالميّ يُحرّك الجميع. فلا قرارَ لكَ. كلّما مَنَّيْتَ نفسكَ بالاستراحة تَركُنُ فيها إلى هدوء فكرك حَدَثَ ما يَرُجُّ الأرض تحت قدميك و إذا بك تعود إلى لِهاثِكَ تركض خلف الاطّلاع و المواكبة و إلاّ فمكانُكَ المُتحف و قهقهة الأجيال الجديدة.

في العشريّة الأولى تمَلّكَني شعور لذيذ بأنّي أشبه المُبشّرين الذين يحملون قيما و حضارة جديدة. ثمّ صار لِزامًا أن أستعينَ في أدائي بالمسرح و الهزلي منه بالذات عَلَّ المعلومة تجد لها نَفَـقًا إلى ذهن المُتلقّي. أمّا في السّنوات الأخيرة فالأمرُ استحال إلى ما يشبه المُهمَّة في مَلجإ للإغاثة، في هذه اليد كتاب و في الأخرى " مَشْرَطٌ " أو " مادّة مُسكّنَة " و أنتَ لا تدري أتسَكِّنُ آلامَ مريضكَ " لعلّ الله يجعل لكما من أمركما رَشَدَا " أمْ تستخدم مشرطكَ و تستأصِلُ الدّاء و قد" يموتُ" مريضكَ بين يديك إذ لا احتمالَ له على الجِراحَة
.

mardi 1 décembre 2009

حُـــريَّــــة



استيقضتُ فجر اليوم على صوت هِـرَّة تمُـوءُ بجانب فراشي مُستعطِفة مُتمَسِّـحَة بدِثاري . فحيَّرَني أمرُها ، و قلتُ لعلّها جائعة فنهضتُ و أحْضَرتُ لها طعاما ، فعَـافَـتْه مُنصرِفة عنه . فقلتُ لعلّها ظامِئـة ، فقدّمتُ لها ماءً ، فأعْرَضَتْ عنه غير مُلتفِتة إليه و أخذتْ تنظـرُ إليَّ نظرات المُستغيث المُستنجِد . و رأيتُ أنّها تطيلُ النّظرَ إلى باب الغرفة - و كان مُوصَدًا - و تتبَعُني مُسرِعَة الخُـطَى كلّما رأتني أتّجه نحوه . فعَرَفتُ عندئذ أنّها تريدُ أن أفتحَ لها البابَ فــفتَحتُه . فما إن رَأتْ وجْـهَ السّماء حتّى انطلقتْ تعْدُو كالهارب من السّجن ، فقلتُ في نفسي : عجَبًـا ، هل تفهمُ الهِرَّة معنى الحريّـة ؟ أجلْ . إنّها تفهم و ما كان استعطافها و حزنها و إمْسَاكُها عن الطّعام و الشّراب إلاّ من أجلها



مصطفى لطفي المنفلوطي - النّظرات ج1 - .

vendredi 27 novembre 2009

أشهد أنّ حبّك عيد

افترشت الغربة و التحفت بحبك
فوجدتني في وطني أي بركان جميل يرحب بي ؟
و عاصفة الألعاب النارية تغطي الكواكب
و أمد يدي لأقطف نجمة و أكتشف معك طائرا
نسيته قبيلتنا منذ دهور اسمه الفرح ..
اسمك السر و حبك عيد
شارباك انفراجة ابتسامة الاجداد ذراعاك ارجوحة نسيان
و داخل عينيك دروب أركض فيها الى الطفولة
و بحيرات كالمرايا أمشي فوق مياهها و لا أبتل
سعيدة لأننا نتحرك في مجرة واحدة و لأنني
مررت يوما بمدارك و لم أرتطم بكوكبك ..
و أحترق سعيدة لمجرد أنك موجود و يكفينني أنني عرفتك... و أحببتك..
أحبك لأنني عرفت معك شيئا جديدا غريبا عني اسمه الفرح
معك التقيت الشمس صافحت الضحك راقصت البراءة
و قدمت اوراق اعتمادي الى الشروق ..
و اكتشفت كم همسك الازرق جميل عند الفجر
لأن الحب حالة متحركة لأن الحب ليس تدجينا للصدق و تزويرا للعمر
احبك كما انت داخل اطارك و احب حكايا حبك لسواي
مباركة لحظات حنانك الشفاف و لحظات جنونك ...
مباركة عيون المراة التي ستحب بعدي و التي أحببت قبلي
..مباركة همساتكما معا ..مبارك اشتعالك بالحب أيا كان الإناء
!..فأنا لن أفهم يوما لماذا يجب ان يحولني الحب
الى مؤسسة مكرسة لتخريبك و التجسس عليك
و شبكة ارهابية تحصي همساتك ..
لا أفهم لماذا يجعل الحب بعض العشاق اعداء لمخلوقات هذا الكوكب كله حتى الحبيب
أن احبك يعني ان اتصالح و القمر و الاشجار و الفرح و العصافير
و العيد في وطني ان احبك يعني انني
اعلنت هدنة مع الحزن و اعدت علاقاتي الدبلوماسية و رقصة الليل في دمي
حبك سعادة مقطرة
..أفراحك مباركة في قلبي الذي يجهل رعونة الغيرة .
..وحده الموت يثير غيرتي اذا انفرد بك
أتمنى ان اكون ضوءا في اعماقك
و لا اشتهي تبديل تضاريس المصباح فهل تقبل حبي ؟
و تمنحني تأشيرة دخول الى دورتك الدموية
ابق كما انت ..
عيدا ستسعد بك النساء جميعا بدل من أن تتعس امرأه واحدة
غادة السمّان

mercredi 25 novembre 2009

العنف ضدّ المرأة : أرقام و إحصاءات

رغم أنّي لا أميل إلى الكتابة المناسباتيّة التي لا تثير المسألة إلاّ يوم ذكراها ثمّ يطويها النسيان حتى موعد الذكرى في السنة الموالية إلاّ أنّي أجد نفسي مدفوعة حتما للحديث عن العنف الموجّه للمرأة رغم ضغط العمل و الالتزامات العائليّة
و كان يكفي أن أنقر كلمة " عنف ضدّ المرأة " في محرّك البحث قوقل حتى حصلت على هذه الإحصائيّات و الأرقام ، أكتفي بها فهي تعبّر عن نفسها دون تعليق

ان الدراسة والاحصائيات التي قام بها صندوق الامم المتحدة لرعاية الاطفال وصندوق الامم المتحدة لرعاية المرأة وصندوق الامم المتحدة للثروة البشرية ومنظمة الصحة العالمية سنة 2008 بخصوص تقييم مدى العنف ضد المرأة والبنت كانت كالتالي:
-13% – 61% من النساء والبنات تعاني من العنف الجسدي من احد افراد عائلتها.
-50% من النساء والبنات تعرضن للعنف الجسدي والجنسي من احد افراد الاسرة في بنجلاديش واثيوبيا وبيرو.
-30% من النساء والبنات في المملكة المتحدة و22% في امريكا تعرضن للاعتداء الجسدي والجنسي من احد الاقرباء.
41 ألف قضيّة عنف ضدّ المرأة عرضت على المحاكم المغربيّة
97 بالمائة من الأجنبيّات المقيمات في مصر تعرّضن للتحرّش الجنسي
-40 – 70% من الذين تعرضن للاعتداء الجسدي على يد احد افراد العائلة قد قتلن.
-11 – 32% تعرضن للتحرش الجنسي في سن الطفولة
- 40- 60% من التحرش الجنسي في العالم داخل الاسرة ارتكبت ضد البنات في سن الخامسة عشر وما دونها
-20 – 75% من النساء والبنات تعرضن لاهمال عاطفي في وقت ما من حياتهن
- مليونا بنت في العالم من كل عام في سن 5 – 15 استغلوا في تجارة الجنس
- 13 مليون اجبروا على عملية الختان بصورة بشعة و2 مليون اخريات مهددات بنفس الوحشية
- 10 – 27% منهن تعرضن للاعتداء الجنسي اما في مرحلة الطفولة او البلوغ
- الاف النساء والبنات قد قتلن من اجل شرف العائلة في غرب اسيا وشمال افريقيا وجنوب اسيا
ان هذه الاحصائية لدليل على ان العنف ضد المرأة والبنات قد اصبح وباء يظهر في كل بيئة وثقافة ومجتمع

dimanche 22 novembre 2009

الأشواق التَّـائِـهَـة

بقيتْ " الأشواق التائهة " لأبي القاسم الشابّي قصيدة شبه مجهولة لم تحْضَ بشهرة " نشيد الجبّار" أو" الصّباح الجديد " أو " الجمال المنشود " و غيرها من القصائد التي حفضناها و ردّدناها . غير أنّ النقّاد أجمعوا على أنّ هذه القصيدة و بصفة عجيبة تتداخل فيها كلّ الأنغام المُؤلّفة للدّيوان و تنعكس فيها كرجع الصّدى . أنت حين تقرأها تندَسُّ في شعاب العالم الشعري و يتأكّد لك أنّها مفتاح من مفاتيح الدّيوان و مدخل من مداخله الرّئيسيّة فيها تجتمع ملامح تجربة الشابّي الإبداعيّة . في الحقيقة اكتشفت القصيدة مؤخّرا رغم مطالعتي للدّيوان أكثر من مرّة ، و كأنّي بالسَيَّابْ يشكو ظلم الأهل و القدر أو لكأنّي بعمر الخيّام يتبرّمُ بضيق الحياة و جهل النّاس رغم الفرق الشاسع بين المدارس الشعريّة للثلاثة .

في القصيدة غُربَة تتجلّى حالة وجدانيّة و موقفا مذهبيّا تشكّلت من خلاله معالم التقابل بين الموجود و المنشود و مراوحة بين معجمَيْ النور و الظلمة . اخترت نشر مقاطع من هذه القصيدة لكلّ أحبّاء شاعر تونس أبي القاسم الشابّي

يــا صَميمَ الحياة إنّـي وَحيــدٌ ~ مُـدْلِـجٌ تـائهٌ فـأيْنَ شُـرُوقُـكْ
يَـا صَميـمَ الحياة إنّـي فـؤَادٌ ~ ضائِـعٌ ضامِئٌ فـأيْنَ رَحِـيقُـكْ
يَـا صَميـمَ الحياة قـدْ وَجَــمَ ~ النَّـايُ وغَامَ الفَضَا فأينَ بُرُوقكْ
يَـا صَميمَ الحياة أيْـنَ أغانيكَ ~ فـتحتَ النّجُومِ يُصْغِي مَشُوقُـكْ

~~~~~~~~~~~

كنتُ في فجركَ المُوَشَّحِ بالأحْــ ~ ــلامِ عِطرًا يَرِفُّ فوق وُرُودِكْ
حَالِمًـا يَنْـهَلُ الضّيَاءَ و يُصْـغي ~ لـكَ في نَشْـوَة بِوَحْـيِ نَشيـــدِكْ

~~~~~~~~~~~~

ثمّ جَـاءَ الدُّجَـى ... فأمْسَيْـتُ أوْرَا ~ قًـا بِـدَادًا من ذابِـلاتِ الوُرُودِ
و ضَبَـابًا من الشَّـذَى يَتَـلاشَـى ~ بين هَوْل الدُّجَى و صمت الوُجُودِ
كنتُ في فجركَ المُغَلّفِ بالسِّحْرِ ~ فضَـاءً من النّـشيـدِ الهَـادِي
و سَحَـابًا من الرُّؤَى يَتَـهَـادَى ~ في ضميـر الآزَالِ و الآبَــادِ
و ضِيَـاءً يُعَـانقُ العالَـمَ الـرَّحْــ ~ ــبَ و يَسْرِي في كلِّ خَافٍ و بَادِ
و انقضَى الفجْرُ ...فآنحَدَرْتُ من الأفْـ ~ ــقِ تُرابًا إلى صَميمِ الـوَادِي
~~~~~~~~~~~~~

يَـا صَميمَ الحياة كَـمْ أنا غَـريبٌ في الدُّنْـ ~ ـيَا غَـرِيبٌ أشْقَى بغُرْبَـة نفسِي
بيْنَ قَــوْمٍ لا يَفهَمُـونَ أنَـاشِــيــــ ~ ــــدَ فُـؤَادِي و لا مَعَـانيَ بُــؤْسِــي
في وُجُــودٍ مُكَبَّــلٍ بـقُـيُــــودٍ ~ تَـائِـهٍ في ظَـلامِ شَـكٍّ و نَــحْـسِ
فـاحْتَـضِنِّـي و ضُـمَّـنِي لكَ كالمَـا ~ ضِي فهذا الوجودُ عِـلّة يَـأسِـي

mardi 17 novembre 2009

خُـــــــرَافَـــــــــــــه



حين كُنّا .. في الكتاتيب صغارا
حقنُـونا بسَخيف القَوْل .. ليلاً و نهارا
درّسونا :
" رُكبة المرأة عَوْرَة ... "
ضِحكة المرأة عَوْرَة ... "
"صوتها ..
من خلف ثقب الباب .. عَوْرَة "
صوّرُوا الجنس لنا ..
غُولا .. بأنياب كبيره
يخنق الأطفالَ
يقتاتُ العَذَارَى ..
و أنّ أولِي الأمر أدْرَى
خوَّفونا .. من عذاب الله إن نحن عشقنا
هدّدونا .. بالسّكاكين إن نحن سألنا
فنشأنا .. كنباتات الصّحارَى
نلعَقُ الملحَ .. و نستافُ الغُبَارَا
~~~~~~~~~~~~~~~
يومَ كان العِلمُ في أيّامنا

فَلقَة تُمسِكُ رِجلينا و شيخًا .. و حَصيرَا
شوّهوا الإحساسَ فينا و الشعورا
فصَلوا أجسادنا عنّا
عُصًورًا .. و عُصورا
صوّروا الحُبَّ لنا .. بابًا خطيرا
لو فتحناه .. سقطنا مَيِّتينْ
فنشأنا ساذجينْ
نحسَبُ المرأة شاةً أو بَعيرَا
و نرى العالمَ .. جنسًا و سَريرَا
نزار قباني - قصائد متوحّشة-

samedi 14 novembre 2009

بطولات من ورق

أن تكون في قلب الحدث أنت محوره تجتازه و تتجاوزه بصبر و كرامة فتلك هي البطولة الحقيقيّة و كلّ ما عدا ذلك ، كلّه ، كأن تنتهز الحدث و تتسلّقه لتتقمّص دور المحلّل و المتعقّل و توزّع النّوايا و الصّفات يمينا و شمالا ... كلّ ذلك لا يعدو أن يبقى بطولات من ورق

jeudi 29 octobre 2009

مَعْلم في الذاكرة ... حديقة البلفيدير ج2




كان أهمّ دافع وراء مشروع المنتجع هو إعادة تأسيس مدينة جديدة على النمط الأوروبي تطيب فيها إقامة الفرنسيين و ينبهر بها التونسيّون فالبلفيدير كان في البداية وسيلة دعاية للحضارة الغربيّة التي أعطت أهميّة قصوى للحدائق العموميّة منذ عصر النهضة و لو أنّ الحضارة العربيّة الإسلاميّة كانت سبّاقة في الاحتفال بالخضرة و المياه و الحدائق و حدائق الكرخ في العراق و منتزهات الشام و الأندلس تشهد على ذلك . لكنّ الفرنسيين الوافدين وجدوا صعوبة في التأقلم مع مدينة تونس العتيقة و احتاجوا لمدينة جديدة فيها معالم الحضارة الأوروبيّة من مسرح و كازينو و قصر عدالة و معهد و منتزه


فحديقة البلفيدير هي تعبير عن الرفاهية الجديدة التي أراد الاستعمار أن يلوّح بها و يحققها للمعمّرين قصد زيادة عدد المهاجرين الفرنسيين إلى تونس


و لعلّ هناك دوافع أخرى خلف إنشاء منتجع البلفيدير أهمّها الدّافع العسكري لما تمتاز به الهضبة من موقع كاشف و مغطّى بالزياتين تسهل فيه إقامة الجيوش و تسهل حركتها . و قد استفاد الجيش الفرنسي عندما دخل أوّل مرة مدينة تونس سنة 1881 من جبل البلفيدير و أقام فيه ليشرف على كامل المدينة دون عناء . و استُخدِمَ البلفيدير زمن الحرب العالميّة الثانية من قبَل الجيش الألماني و جُهّزَت فيه ستّة أنفاق بها مخابئ و قاعات اجتماعات و قاعات أخرى مزيّنة بالفسيفساء خُصّصَت للرّاحة و الاستحمام و مخازن للأسلحة ... و بعد الاستقلال استغلت شركة الساتباك بعض هذه المخازن لخزن الأفلام لما تتوفّر عليه الدهاليز من درجة حرارة ملائمة . ثمّ أهمِلت تلك المخازن و سُرقت محتوياتها و أتلفَت ... نعود إلى زمن إنشاء المنتزه ، ما إن تأسّست الحديقة حتّى ارتفعت أسعار الأراضي المعدّة للبناء حولها فنشأت في محيطها أحياء راقية ثريّة و قد كانت أراضي فلاحيّة فقيرة لا تجلب أحدا فأصبحت محلّ تنافس كبير ففي سنة 1927 بيعت أراضي البناء حول البلفيدير بسعر 27 فرنكا للمتر المربّع الواحد بعد أن كان لا يتجاوز 7 فرنكات و تحصّلت بلديّة تونس بسبب هذا المشروع على أراضي جديدة سيُقام عليها شارع باريس و شارع فلسطين ثمّ تكوّنت في المناطق القريبة أحياء نوتردام و متيالفيل ... كيف كان المنتجع في بدايته؟




ما سجّلته بعض الوثائق السياحيّة و بعض التصميمات المتوفرة في أرشيف بلديّة العاصمة أنّه كان هضبة تتخلّلها طرق ضيّقة متداخلة و منحدرة و أصبحت بها ممرّات جديدة : الممرّ الخارجي و هو الذي يحيط بكامل الحديقة ، و ممرّ ثان ينطلق من ساحة باستور حتّى قمّة الهضبة في شكل نصف دائري ، و ممرّ ثالث يخترق الحديقة من اليمين إلى اليسار و يمرّ بالكازينو . و كان للحديقة بابان






الكازينو


تأسّس في نفس التاريخ في شكل مختلط بين المحلّي و الاسباني و به مشربيّة و صومعة صغيرة و قد جُهّز بمقهى و مطعم فيهما تقام الحفلات في الهواء الطلق و على شرفاته ركزت شمسيّات و كراسي و الشرفة تطلّ على غابة و حدائق و كانت منظرا رائعا قبل أن تُبنَى العمارات و تحجبه و قد تواصلت الحفلات به حتى نهاية الستينات - أنظر الصورة -






الميضة


أسِّسَت على يسار البركة المائيّة و تتكوّن من بقايا ميضة جامع كان في سوق الترك بالمدينة العتيقة و تحتوي على أعمدة من رخام و هي معلم مهمّ






قبّة الهواء


و هي قطعة جُلبت من قصر الوردة بمنّوبة ، وقع قلعها و توضيبها و هي مرصّعة بأعمدة و مزركشة بنقائش و أقواس من رخام و من جبس و من خشب و كلّها مغلفة بالجليز التونسي


بانوراما المائدة و هي أعلى هضبة دائريّة الشكل يحيط بها صفّان من الأشجار و بها مقاعد خشبيّة و حجريّة في شكل دائريّ تحت الظلال و هي موقع رائع للإطلال على كامل العاصمة






و اليوم و مع تفاعل الواقع التاريخي و التحوّلات التي شهدها مجتمعنا و لا يزال هل صار البلفيدير نقطة سوداء في وجه العاصمة ؟ و فضاء للفضلات و المياه الرّاكدة و سببا في تسرّب الروائح الكريهة و مكانا مناسبا لروّاد الانحراف و الإجرام ؟


فرصة كي نهيب ببلديّة تونس و كلّ من يهمّهم الأمر أن ينقذو هذا المعلم السياحي و الحضاري الرّائع لأنّه قبل منتزه النحلي و قرطاج لاند و حديقة فريقيا يبقى البلفيدير قسما مهمّا من ذاكرتنا الوطنيّة


mercredi 28 octobre 2009

مَعْلم في الذاكرة ... حديقة البلفيدير





هي أهمّ حديقة في البلاد و أكبرها و أقدمها و أجمل معلم حضريّ أنشئ حول العاصمة منذ نهايات القرن التاسع عشر . أصبح ملجأ الشعراء و الفنانين و العاشقين و الرسّامين و هو مهبط حافلات الزائرين و هو منتزه الأطفال و منتجع الكبار ... كم من قصيدة نظمها الشابي في ظلال البلفيدير و كم من رحلة قام بها جماعة تحت السور إلى الحديقة و قد تسلّقوا ترمفاي باب الخضراء دون خلاص تذاكرهم و كم ضمّت ثناياه من نكت و ضحك و سهرات و كم هي الحفلات المسيحيّة و الإسلاميّة و اليهوديّة التي شهدها قصر القبّة حبيبة مسيكة ، رؤول جورنو ، علي الرياحي ... منتجع البلفيدير هو اليوم خزينة ذاكرة المدينة دون شكّ



كانت البلاد التونسيّة عشيّة إعلان الحماية تعدّ مليون و مائة ألف نسمة و تعدّ العاصمة قرابة المائة ألف نسمة و قد تدفّق عليها المهاجرون من جلّ بلدان المتوسّط و من داخل البلاد و توجّب تأسيس مدينة عصريّة فكانت منطقة باب البحر هي المتنفّس الترفيهي للمدينة و منذ 1860 فكّرت السّلط في هدم أسوار المدينة و الإبقاء على الأبواب فحسب حتّى تتوسّع المدينة في اتجاه البحر

تقع تونس العاصمة سجينة بين سباخ روّاد و السيجومي و بين هضاب سيدي بلحسن و الجلاز و الجبل الأحمر و هضبة البلفيدير و كانت محاطة بحزام أخضر من غراسات الزيتون الممتدّة من باردو إلى الجلاز و تصل حتى سكرة و أريانة كلّها أراضي حبس وضعت في خدمة الجوامع و المساجد و المؤسّسات الخيريّة

لمّا جاء الفرنسيّون حاولوا إعادة تخطيط المدينة و تحويلها من مدينة عتيقة مركزها القصبة إلى مدينة عصريّة ممتدّة مركزها باب البحر فتأسّس شارع قرطاج و شارع باريس و شارع جول فيري و في اتجاه أريانة تأسّست حديقة التجارب النباتيّة التي تمتدّ حتى ضاحية سكّرة منذ 1892 عندما وقع انتزاع ثلاثين هكتارا من الأراضي الحبس و عيّن على رأسها مختصّ في البستنة جاء خصيصا من باريس و كان الغرض الأساسي هو حماية غراسات العنب من الأمراض المتفشية و تجريب الغراسات المجلوبة من الخارج قبل السماح للمعمّرين بتداولها . و توسّعت حديقة التجارب لتشمل مزارع حيوانات و تربية النحل و من هذه الحديقة انتشرت غراسات الشجرة الشهيرة الكاليبتوس في كامل أنحاء البلاد فالحديقة تعَدّ مخزنا للذاكرة الغراسيّة في العاصمة و نجد بها إلى اليوم إثني عشر فصيلا من النخل مجلوبة من آسيا و أستراليا


حينما صدر أوّل مثال هندسي لمدينة تونس سنة 1899 كان منتزه البلفيدير قد اكتمل في ملامحه العامّة و كان يمسح 112 هكتارا و في قمّة هضبته التي تطلّ على كامل العاصمة بُنيَ برج المراقبة و إليه نُسبَ إسم الحديقة البلفيدير : المرقب الجميل . و مع البلفيدير كانت قد انتهت أشغال حديقة التجارب و أشغال تهيئة معهد باستور و أنشئ المسرح البلدي و بُنيَ قصر العدالة و مقرّ بلديّة تونس و تأسّست السوق المركزيّة و امتدّت خطوط الترامواي الرابطة بين العاصمة و ضواحيها الجنوبيّة و الشماليّة




يتبع .....




lundi 28 septembre 2009

إيــحــاءات




ماذا توحي هذه العناصر : البحر ، الليل ، القمر ، الموسيقى ، المطر ؟


البحر : حبيب صدره الأفق ، عناقه مغامرة و الاستسلام له قاتل ، إنّك حين تستسلم للبحر يضمّك بشدّة و يأخذك إلى أعماقه . هو الحبيب الكبير الذي لا يسمح لك بهجره فتتنازل له عن حياتك كلّها و تترك للأصداف المُلصَقة على آذان الأطفال أن تروي حكايتك مع انتحاب ريح الشاطئ

اللّيل : ستارة تسدلها السّماء لأجل العُشّاق و الثوّار

القمر : أكذوبة نصرّ على تصديقها و لا نزال ننظم الشعر و نستعذب الحبّ في ضوء إلهامه

الموسيقى

الموسيقى العصريّة : توحي لي بسوق الحدّادين و بأنّ شيئا قد تحطّم

الموسيقى الكلاسيكيّة : ثمّة من عَرّى أعصابه البشريّة و اتّخذ منها أوتارا و من جسده كمانا يعزف عليه لحن الإنسانيّة الحزين

الموسيقى العذبة : هي بطاقة سفر إلى مغاور الحبّ و الفرح المَنسيّ و الحزن المُعتّق كالخمر ... و الذكريات

المطر : أوّله نغم و آخره كارثة ، هو كسائر عناصر الطبيعة لا حظَّ للفقراء معه