jeudi 14 janvier 2010

جنـــــــــــــــون


في ركن مظلم من الغرفة تكوّم "الفاضل" تقرفه رائحة كريهة منبعثة من إناء بجواره، شعر بشيء لزج يسيل من صدغه، رفع يده ليزيله فداهمه ألم حادّ في كتفه شلّ حركته، تحالف عليه الألم و الجوع و البرد فلم يغفُ جفناه. منذ مدّة غادره النّزيل الذي كان يقاسمه المكان، ذهب دون أن يُلقي تحيّة الوداع، لا يدري إلى أين، خرج و لم يعد. ليس متأكّدا إن كان ذلك منذ يومين أو أكثر فقد أهمل العَدّ، ما عاد التّاريخ يعنيه، درّسه طوال ربع قرن ثمّ خمدت إثارته.و توصّل في خاتمة المطاف إلى حقيقة مريحة و هي أنّ لا شيء يبقى على حاله إلاّ الأفكار. ما الفرد إلاّ مادّة و فكرة فإن تلاشت المادّة بمفعول الزمن و الآفات فالفكرة باقية لا تندثر.
فجأة طرق سمعه أزيز خافت ظنّه في البدء الصوت المعتاد رفيق أيّامه و لياليه ثمّ ما لبث أن ركّز السّمع ثانية فإذا بالأزيز يرافقه صرير و كأنّه الأنين يأتي من ناحية الباب. دفعه فضوله فتحامل على آلامه و زحف باتّجاه الأصوات. وضع أذنه على الباب فجحظت عيناه من هول ما رأى و سمع.
قال مقبض الباب للمسمار في ضجر:
ـ مللت المقام بهذا المكان البغيض، ملعونة تلك الأيادي بأصابعها المنتفخة و أظافرها القذرة تديرني في خشونة فتكاد رقبتي تتحطّم حتّى بات لي في كلّ حركة حشرجة. كنت في معملي برّاقا كما المرآة المجلوّة أنعم بالرّاحة و الرّفقة حتّى إذا أراد صاحب المصنع انتقالي إلى أحد الدّكاكين، تخيّر لي من العلب أجملها و رسم صورتي خارجها و لفّ جسمي بورق شفّاف. أهكذا يكون مآلي؟ لطالما تخيّلت أن أصير في بعض البيوت الفاخرة تداعبني الأيدي النّاعمة تكسوها قفّازات القطيفة أو الحرير، أظنّني كنت أفضّل الحرير، و يشملني الدّفء و الموسيقى الرّقيقة. فإذا بي أقبع هنا في هذا المكان الكئيب و لا نجاة يا صديقي إلاّ بتلفي ثمّ طرحي في قمامة الأموات. بتُّ أنتظر ذلك اليوم علّي أستريح من عذابي.

نطق المسمار بصوت متقطّع و عين كسيرة:
ـ أذكر يوم جلبونا أوّل مرّة، كنّا مائة من المسامير الفتيّة محشورين في علبة كماالعبيد يتقاذفهم قبْوٌ عفن في سفينة قراصنة. و سرعان ما فرّقونا و كان نصيبي هذا الباب في هذا الممرّ المعتم. ظللت يومين أسمع صراخ الرّفاق و نحيبهم، لم أفهم ما يجري إلاّ حين انهالت على رأسي مطرقة ضخمة ففقدتُ وعيي و حين استفقت وجدتني غائصا في هذا الباب المقيت لا أقوى على الحركة. و ما أسفي على نفسي بأشدّ من حسرتي على شقيقي، لقد حاول مقاومة أيديهم و المطرقة، فاعوجّت ساقه، فضربوها بدل المرّة مرّات. أحدهم هوى على إصبعه خطأ فلعن المسامير و الصّناعة المحليّة، جرّبْ الألم أيّها الوغد، قُطِعت أيديهم، كانوا يريدون أن تستويَ منه السّاق لكنّها انكسرت فألقوه أرضا تتقاذفه الأحذية السّوداء الغليظة...
شرق المسمار بدموعه ثمّ أضاف:
كم وددت أن أنغرس في إحدى الأيدي اللّعينة فأدميها غير أنّي عاجز.. هنا عاجز.

بكى المسمار بكاء مُرّا و بكى معه كلّ ما في الغرفة. فجأة صرخ ثقب الباب في سوْرَة من الغضب:
ـ اسكُتْ.. اسكتوا جميعا، لا تتحدّثوا عن الألم و المعاناة.
ماذا عساي أقول عن نفسي و أنا تخترقني المفاتيح من الأمام و من الخلف عشرات المرّات في اليوم الواحد. كرامتي استُبيحَت على يد الأنذال...

فانفجر المقبض و المزلاج و المسامير و حتّى إناء الرّكن في ثورة من الضّحك. و ضحك "الفاضل" معهم، ضحك و ضحك حتّى انقبضت عضلات بطنه و سالت دموعه ثمّ لمع في عينيه بريق غريب، لم يعد يشعر بألم كتفه و لا برائحة المكان الكريهة، ارتسمت على وجهه ابتسامة و استقرّت و صارت نظرته تعانق عالما لا يراه غيره.
في الفجر، حان موعد زبانيته لمواصلة التّحقيق. كم هي ثقيلة ساعة الفجر، الاعتقال في الفجر و التحقيق في الفجر و الإعدام في الفجر. لحظة فاصلة بين حياة كائنات و موت أخرى، بين سجن المادّة و انعتاق الجوهر. لكنّ فجره اليوم مختلف.
انفتح الباب على ضخمين فوقف عن طواعية لا تفارقه ابتسامته الغريبة، سوّى هندامه و مرّر يده على شعره. هذه المرّة لن يمكّنهما من جَرّه زاحفا.

8 commentaires:

3onsor a dit…

أنا أيضا ابتسمت مع الجماعة ثم غابت مع خروجه من الزنزانة
، شكرا ولآدة

WALLADA a dit…

عنصر

العفو و مرحبا بك دائما

ART.ticuler a dit…

حلوة الفكرة وعجبتني ..حتى المسامير تخضع للعبة النرد ..فمنها ما يمسك أبواب القصور ومنها ما يرمم الكسور ومنها ما دق في أيادي الأنبياء من عصور ... هنالك مثل صيني يعجبني يقول: إن كان الاداة الوحيدة التي تملكها مطرقة ، ترى كل مشاكلك مسامير ! :-)

وموش صحيح راهو، إلى الافكار ما تتبدلش،لانو فقط الحمقي لا يغيرون أفكارهم كما قال الحاج سارتر تغمده الله برحمته الواسعة ..

Pétale a dit…

Hédhi 3al a9al mouch msammer mssadeda:)

ferrrrr a dit…

"الصّناعة المحليّة"

يبدو ان المسامير وصلت "على ظهور سفن القراصنة"، المقصود اذا بالـ"الصّناعة المحليّة" هي الايدي التي تدق المسامير و ليست المسامير ذاتها، ان كذلك فمعقول، الايدي تكون احيانا "صناعة"، واقل من صناعة

Dovitch a dit…

Là, on est parti sur un grand cru 2010!

برافو تدوينة مزيانة كلها فن وإبداع ...حتى ثقب الباب معادش نشوفو بنفس النظرة ...سخفني المكبوب هه

ART.ticuler a dit…

@ فررر

أنا احتج على إهانة مسمارنا الوطني ..صحيح أنه ليس من الحديد الصلب ويلتوي عند أول صدمة مطرقية لكنه قادر على شق لغة الخشب ..وأسأل الكلاب (شدة على اللام )

@ دوفيتش

أنا سخفني المسمار :-)

WALLADA a dit…

دوفيتش

شكرا صديقي على المرور و التعليق


فرررر

" الأيدي صناعة" هل مازلت تذكر ذلك ا الزنجي الجريدي الذي كان يقلّم أشجار الحديقة في ذلك الماضي السّحيق ؟ أتذكر ماذا كان يطلق على نوعيّة من البشر إذا لم يعجبوه؟
كان يناديهم قمَاشْ بفتحة فوق القاف


آرت

لو فكّرت يوما أن أوظّف ناطقا رسميّا لي فلن أجد أفضل منك ههههه
سعيدة دائما بإطلالتك