samedi 18 septembre 2010

مـــومِــــــــس الثّـــقــافــة

تــؤثّثُ الجدرانَ لوحاتٌ تشكيليّة لرسّام عاش مُعدما مغمورا و لم يحصل على عنقوده إلاّ بعد أن قضى نحبه ـ احتراما لصدق الرّؤيا ـ .. بهوٌ ضيّق يحتلّه معرض للأواني القديمة و القطع الفنيّة النّادرة .. نغمٌ أصيلٌ ينبعث في فضاء المكان يُـثقل الرّؤوس        و يُحرّر ما وعَدَه النّبيذ .. أصواتٌ متحشرجة ثملة تشدو بلحن ملتزم .. مسرحيّون و أدباء في نقاشات محتدمة ، مشهد تمثيليّ دون ركح أو تذاكر .. شاعرٌ يجلس وحيدا هناك إلى طاولة في الرّكن وحيدة يحتسي كأسا تعدّدتْ في وحدتها القوارير .. تعلو حوارات عن واقع الثقافة ..



و الخمرُ تسخر ...



" هذا مطعم المثقّـفين كما يروق للبعض تسميته . " يستطرد مُخاطِبي . فلا أفهم كيف لهذا المكان أن يسَعَ المثقفين إذا اجتمعوا أم تراهم لا يفعلون ، و لماذا لا يرتاده إلاّ المثقفون ؟ ألا حقَّ فيه لكلّ عَييٍّ ساذج داخل في الرّعاع ؟ أنتبه إلى ثـقبٍ أسْودَ في منديلي ، لا شكّ أنّ سيجارة أحدهم سفّهتْ بياضَه .. لا أطلب من النّادل تغييره و أثني المنديل أخفي الثقب و أحفظ للثقافة هيبتَها .. يبوءُ مسعايَ بالفشل حين يضع النادل أمامي كأسا مشروخة ، فأوقنُ أنّه مطعم المثـقفين .. عقارب الساعة الحائطيّة تُـنبئ بزحف المساء على المدينة و لا أحد يهتـمّ .. شرذمة المنبوذين من عالم الصّحْو لا يزالون بين كأس و حوار .. لا همسَ ، لا عُشّاق .. لا عيون تسترق من الزمن نظرة حالمة .. لا أيدي تتشابك في رعشة وعد ..



و الخمرُ تلعن ...



فجأة ينفتح البابُ عن سيّدة في إثرها أخرى فتستيقظ العيونُ        و تستدير الرِّقاب .. تتقدّمان دون ترحيب من النادل و تنتبذان طاولة قصيّة . الأولى ، كرَّ عليها خيلُ الزمن فأحرق و دمّر       و نهب و لم يُخلّف سوى التجاعيد و هيكلا يبابا ، و الثانية ربيعٌ لا زهرَ فيه .. وجهٌ شاحب و جسد صامت يلفّه ثوبٌ بسيط .. تتركّز عليهما الأنظار و يخفتُ الصّخب ، و أضيق بالعقل الشرقيّ لا يزال يعجب لموعد بين امرأتين في مكان عامّ و يحوك حوله المشبوه . يهمس مخاطِبي و قد أدرك ثورتي " لا تلتفتي .. تلك مومس و الكبرى مُشغِّـلتها . " يسقط فَـكّي السّفلي و يزيغ بصري ... طالما تخيّلتُ المومسَ بمساحيق فاقعة و رموش مستعارة و ملابس فاضحة و ضحكة رقيعة ، أو ذاك ما احتفظتْ به ذاكرتي من السينما و الروايات القديمة .. يوم قرأتُ للسيّاب " المومس العمياء " عرفتُ أنّ للتعاسة وجهًا و كفرتُ بالأحكام المسبقة . لكنّ المشهد هنا فوق كلّ حكم و ما تخيّلتُ ... يتقدّم الليل ، و أنشغل بنقاش رفيقي .. ينسحب بعضُ الزبائن بعد أن صار ما في جيوبهم عاجزا عن أداء الكأس زكاتَـَها ..



و الخمرُ تمتعض ...



يمرُّ وقتٌ ما قـدّرتُه و ألتـفتُ فجأة فلا أرى الفتاة .. أبحث عنها بين الموجودين فيُـعييني البحث .. أشاهد مرافِـقتها في طاولة أخرى تنعم بالأنس و الطعام و قارورة خمر رخيص .. أهرع ببصري إلى صديقي فتجيبني إيماءة رأسه دون كلام تُـؤكّد ما ذهب إليه ظنّي .. ما أقبح اليقين . هكذا إذن يُـباعُ فروُ الدُبّ ليَحْضَى السَّـفَـلةُ بالدّفء ؟ الفكرُ هنا مصلوبٌ و الثقافة يتيمة فمَنْ ذا يرفع قميص القتيل على رؤوس الرّماح و يستصرخ " وا ذُلاّه " .. يُسعفني مُخاطِبي " الثّـأرُ مغامرة غبيّة و وَهْم الأوّلين . " يدفع الحساب    و نغادر المطعم ...



و الخمرُ تتبدّد ...



في الشارع حرارة خانقة .. أطفالٌ عُراة يسبحون في نافورة صُمِّمَتْ لتزيين المدينة .. رجلٌ ينبش عن عشاء في حاوية القمامة .. و ثانٍ يصوّبُ ذكَرَه إلى جدار مكتبة و يقضي حاجتَه .. و آخران يتقاذفان بكلّ ما احتواه معجمُ الجنس بل لعلّهما يُحقّـقان فتحا جديدا في اللغة تسجّله الأجيالُ حين تُـنَقّحُ المعاجم . يُشيرُ صديقي إلى سيّارة أجرة .. أركبها في إعياء .. يُطلّ من النافذة     و يقول لي في ابتسام قبل أن نفترق " لا تنزعجي ، نحن في الألفيّة الثالثة .. هي ثقافة الجسد . " أودّعه و تمضي بي السيّارة .. إنّها المرّة الأولى التي لا أقبّـلُـه فيها لحظة الوداع . أغمض عينيَّ عن الطريق مخافة أن أفتحهما على ماخور كبير .

13 commentaires:

bacchus a dit…

قال المسعدي :"يثقل الكون إذا همّ أن يكون"
أمّا الحاضر فلا همّ يثقل ولا هم يحزنزن هي ثقافة العهر والهمّ لا ثقافة الجسد إنّه أطهر

WALLADA a dit…

@ bacchus
الجسد طاهر ما لم يتلوّث الفكرُ بالعهر و الهمّ و النّذالة و هذه ليست الحال

ART.ticuler a dit…

شنية قيمة الثقاقة إذا كان المنديل موش مثقوب؟ والكاتب موش "مرامدي" والقلم فحمة مرعوبة؟ .. أما طهارة الجسد فأحيلك على كتاب :"طهارة الجسد يوم لقاء الواحد الأحد" .فهو كتاب قيم

WALLADA a dit…

أهلا آرت

يسعدني مرورك و تعليقك
شكرا على الإضافة

moghrama a dit…

Souvent, quand je passe par là, il m'arrive de maudire la langue de Molière, qui m'a privée de ma langue mère!!Je comprends parfaitement mais je n'ose jamais m'exprimer , ne serait-ce qu'en commentaires!! Magnifique texte!!!

WALLADA a dit…

@ moghrama

لا عليك صديقتي اكتبي بأيّة لغة ترتاحين للتعبير بها فكلّ ما تقولين يصل مباشرة إلى القلب و يبعث فيه الدفء

سعيدة دائما بإطلالتك الرّقيقة

Al-Hallège a dit…

قي الواقع أرجعنا النصّ الى الجقيقة...الحقيقة العارية بكل تفاصيلها...نعم ، تلك هي مضارب المثقفين ، أعتقد أنه لم يغب على المشهد العام إلاّ طاولة شرطة أمن الدّولة

WALLADA a dit…

مرحبا بالحلاّج

ما قلتَه صحيح غير أنّي تعمّدتُ إغفالَه، و ما جدوى ذكره حين أرانا جميعا رقباء نُحصي عل بعضنا الأنفاس فالبعض صار وكيلا على الثقافة و البعض الآخر صار وكيلا على الدين و الأخلاق و الكلّ نصّب نفسه مُدافِعا على الوطنيّة

Soufiene a dit…

فين المطعم هذا يا ولادة في حلق الواد؟

WALLADA a dit…

سفيان

هل ترى فعلا أهميّة يمكن أن تُعَلّق على المكان ؟

Dovitch a dit…

فقر الفكر هو المسؤول الأول عن نشر فكر الفقر
شيئ يأسف وبرة خاصة ان المشاهد هذي اصبحت عادية

تدوينة جميلة ولادة

Anonyme a dit…

les kestions mte3 soufien sont des kestions mte3 amen aldawla hahahaha

WALLADA a dit…

@ Anonyme

عيب عليك


مرحبا دوف

يسعدني مرورك و تفاعلك