samedi 4 juin 2011

حكاية الخافِض الرّافِع

قال مُحدِّثي : " كنتُ كلّ صباح استخدم المصعد للنّزول من الطّابق التاسع بالعمارة حيث أقيم ... قلتُ أستخدم توخّيا للدقة  ، فلا عتبتُه بأعلَى من أرضيّة البهو حتّى أقول أصعده و لا هو بالمطيّة فأقول أركبُه و لا أمل لي في أزمنة تأتي يتنقّل النّاسُ فيها أفقيّا من مبنًى إلى آخر كما الدّود يتسرّبون في أمعاء من البلّور دون الحاجة إلى الشوارع ، يكفي هذا الوحش الفولاذيّ و قرينُه ينخران أحشاء البناية عشرات المرّات في الليل و النّهار ... يضمّ الطّابق التاسع شقّتي و أخرى قبالتها لجاري. كنّا كما في كلّ صباح نتقابل في البهو الفاصل بين بابيْنا ، في البداية كان يُحيّيني بنظرة من أعلى كما اعتاد مع موظّفيه و مَن بيده النّافذة مصائرُهم  فلا أردّ عليه التحيّة ، فيُعالج كبرياءه بتسوية ساعته أو ربطة عنقه في انتظار المصعد . و تحمل عنه حقيبته إلى موقف السيّارات خادِمٌ صبيّة تقف خلفه . كنتُ دائم الحرص على ألاّ يجمعني به مصعد فإذا انفتح أحدهما تنازلتُ له عنه ، حتّى صار للرّجل بمرور الأيّام مصعده الخاصّ لا يستخدمه سواه و لا يُمكِّنُ حارسُ العمارة منه أحدا إلاّ في الحالات الطارئة و بمقابل . هكذا .. دون عَقدٍ و لا اتّفاق إلاّ الصّمت و هل أوْدَى بالبعض سواه ؟

في ذلك اليوم انفتح المصعدان في الوقت ذاته و اتّجه كلٌّ منّا إلى غايته ، أغلقتُ الباب و ضغطتُ على زرّ الصّفر ... أمرٌ مُحبِط أن يبدأ الفردُ يومَه بصفر. تنتابُني نفس الحيرة كلّ صباح ، ماذا دهَى المعاجم كي تُسمّيه مِصعدا ... أما لصعوده نزول ؟ فكيف تُطلق عليه نصف الفعل ؟ من حدَّد المقاييس لقيمة الأداء ؟ ألا يُضاهي نزولي قيمة الصّعود حين أغادر العمارة كلّ يوم لأعمل ؟ و ذاك الطّالِبُ و تلك التلميذة و ذاك المهندسُ ؟ و السيّدة التي تصطحب ابنَها إلى مدرسته كلّ يوم ؟ ... هؤلاء ، و أمثالنا الملايين ، أليس لنزولنا   قيمة ؟ لو اكتفت الأهميّة بالصّعود لما صعدتْ الخادمة كلّ يوم لتعزّز رصيد شقائها في بيت مُشغِّلها ، و لما صعدتْ هذه الحسناءُ التي توليني ظهرَها تكتنفني منها رائحة الخمر و عطر رخيص ، هي على الأرجح من زائرات آخر الليل لجار الطابق الخامس ، عند كلّ أوّل شهر يصعد بغانية ، فهل لصعودها صعودٌ ؟ ما أكثر ما يحمل هذا المصعد

  حين انفتح البابُ على الطابق الثالث كانت الصّدورُ مُلتحِمة بالأقفية ، و النَّفَسُ مَطلبٌ عزيز. لكنّ الشيخ صابر أصرّ على الالتحاق بالمحشورين في الداخل .. الفولاذ يَئنّ من هول الحمولة و الشيخُ جسيم ينبعث منه ما يُحوّل المكانَ إلى ركن مُعتَم من سوق عتيق. كان بغباء أو ما يُشبه العفاف يحرص على رفع يديه إلى أعلى و لسانُه لا يتوقّف عن الاستغفار .. و يتغافل عن الرّابِضِ أسفله لا تُدركه الأبصار ، بل يفضحُه وجهُ صاحبه باحتقان إثر اصفرار ... " و كأنّ هذا الزّمن أبْقَى على عورة تـُسْتَر " همس المهندس... هذه المرّة لم يكن للشيخ متّسَع في المصعد و مع ذلك يظلّ منتصبا يمسك بالباب و يُحرِجُنا بالتحديق فينا .. لوحة المصعد الضوئيّة تعلن تجاوزَ الوزن المسموح به ، و الوقتُ يمرّ ، حتّى اندلعت خصومة ، الكلُّ يَرمي الآخرَ بأنّه ليس أهلا للمدنيّة ، و انطلقتْ التّهم تُكال للشبّان بعدم احترام الأخلاق و الأعراف ، عندما وصل الوضعُ إلى الاستشهاد بالآيات أومَأ المهندسُ للطّالب : " سمير ، هيّا بنا ننزل . " فأجابه و تبعَتهما التلميذة . عظيم .. ما أكبر حظّي بالطليعة المتبقّية .. ربّة بيت و شيخ دين و مومس. المهمّ أنّ المصعد انطلق من جديد ، و ظلّت العيونُ متعلّقة بالصّفر

أخيرا بلغنا الطابق الأرضي - قال مُحدِّثي - و لفظَنا المصعدُ كما القيء. فوجِئتُ بجاري المسؤول يخرج من مصعده في الوقت ذاته فارْتَبْتُ . ما الذي أخَّرَ نزولـَه و لا اكتظاظَ لديه يُبطِئُ الآلة ؟ كيف نكون على موعد مع الرّجل و نحن الأشقياءُ و هو المُنعَّم ؟ لابدّ أنّ خطأ في الطبيعة دفعَه كي يُشاركنا الزّمانَ و المكانَ و قد عهدناه مُتقدِّما حقيقة          و مجازا. ما أروع الحياة حين تثورُ للصمت و الضياع و القهر و تغضبُ للمصائر و قد غـُبِنَتْ ، فتتمرّد على المحتوم و تخترق حُجُبَ التسلّط. وحدَه البحثُ عن لحظة تساوٍ يجودُ بها القدَرُ و قد لا يُكرّرُ مَنَّـه ذاك ، ما جعلني ألتفتُ إلى مصعد الرّجل .. لمحتُ الخادمة تُسوِّي ثوبَها فتعيد أزرارَه إلى عُراها و تجمع شتاتَ جسد مُنهك و روح بائسة .. رأيتُها كحبّة من فاكهة خوخ جفَّ ماؤُها فانكمشتْ و لم تُغادرْ بعدُ غصنَها الرّطيبَ .. سرعان ما انغلق دونها البابُ و غابتْ في جوف المصعد .. التهِمْها أيّها الوحش الفولاذيّ فقد نهشَتْ لحمَها الطريَّ قبلكَ الأصابعُ و لاكَتْ براعِمَ منها نَسَجَ لها الوهمُ يوما أنّها على موعد مع الرّبيع ... خُذها أيُّها الوحش و اصعَدْ بها .. إصعَدْ و تابِعْ الصّعود .. أمّا هي فلم يَعدْ لصعودها معنى

مصعد ... و انفجَرْتُ في ضحِكٍ مُدَوٍّ نابَ عن الدّموع استعْصَتْ فلاذتْ بمُؤق العين تُدْميه .. و لم أنتبه إلاّ و حارسُ العمارة يُمسك ذراعي و يصرخ في وجهي : " ماذا فعلتَ يا أحمق؟ كدتَ تقتل نفسَك ، لماذا عبَثتَ بالأزرار حتّى تعطّبَ المصعد و أنتَ فيه بمفردك ؟ " ... بمفردي فيه ؟ تملكَني الذهول و هرعتُ إلى المصعد أبحث عمّن يروي لي قسوة ما مَرَّ بالمكان أو ما يُحبطُ ما زعمَ الحارسُ ... داخل المصعد كانتْ رجّة العُطل قد هشّمَتْ المرآة إلى عشرات القطَع . فرمقتُ وجهي و قد تعدَّد و له في كلّ قطعةِ مرآةٍ تـَشكُّـل

في المساء استخدمتُ السلّم لبلوغ شقّتي و من الغد بدأتُ البحث عن بيت أرضيّ حيث لا خافِضَ و لا رافِع

4 commentaires:

Al-Hallège a dit…

قد يكون سمي بالمصعد لان الناس يهتمون بالصعود أكثر من النزول كما لمحتي في التدوينة ، أعتقد أن المصعد ليس هو المسؤول عن جمع مثل هذه الانماط الإجتهاعية في مكان واحد بل العمارة عي التي كانت سببا في وجود المصعد ..أعتقد ان الشكل المعماري للمدينة هو سبب الظغط النفسي و التبرّم...تخيفني الانماط المعمارية هذه لانها قد تكون سببا في خلق ذئاب المدينة...
كعادتك متألقة ..نص رائع

tunisien a dit…

ولو شئتِ لأضفتِ المعزّ المذلّ أو جعلته ناصبا أيضا وما كان عليك في ذلك حرج.
شكرا على هذه القطعة الممتعة.

WALLADA a dit…

الحلاج

فعلا قد تكون تلك هي ضريبة المدنيّة

و مثلك ، بي توق إلى شكل أبسط من المساكن

شكرا على التعليق

WALLADA a dit…

تونسي

ممكن لما لا ؟ فهو يُعزّ البعض و يذِلّ الآخر

شكرا على المرور و التعليق
مرحبا بك دائما