lundi 1 février 2010



أيا ربّ إنّ النّاسَ لا يُنصفونني / و لم يُحسِنوا قرضي على حسناتي
إذا ما رأوني في رخاء تردّدوا / إليَّ و أعدائي لدى الأزمات
و مهما أكنْ في نعمة حزنوا لها / ذوو أنفس في شدّة جذِلات
ثِقاتي ما دامت صِلاتي لديهمُ / و إن عنهمُ أخّرتها فــعِدَاتي
سأمنعُ قلبي أن يَحِـنَّ إليهمُ / و أصرف عنهم قالِيًا لحَظاتي
و ألزِمُ نفسي الصّبرَ دَأبًا لعلّني / أعايِنُ ما أمّلتُ قبل مماتي
ألا إنّما الدّنيا كَفافٌ و صِحَّة / و أمْنٌ ثلاثٌ هنَّ طِيبُ حياتي


أبو الحسن عليّ بن أبي الرّجال

jeudi 28 janvier 2010

مازال في الكأس بقيّة



لأنّه ليس خطأ أن تكتشف أنّك كنت على خطأ، و أنّك كنت تجامل نفسك و تخادعها. و لكن الخطأ في أن تستمرّ مكابرا حتّى بعد أن تكتشف الحقيقة. الخطأ أن تظلّ تغلق النّوافذ و ترخي السّتائر ثمّ تصرّ على أنّ الشمس لمَّا تطلعْ، و أنّ اللّيل مازال يغزو المدينة.

قد نفشل، و من لا يفشل؟ ثم نكتشف أنّنا كنّا قد خسرنا جولة لا معركة ... أنا خُدِعت ، و من لا يُخدَع ؟ و أنا تلقّيت الطّعنات في الظّهر ، لكنّ تلك الطّعنات أكّدت لي أنّني أسير في المقدّمة ... و أنا قد تألّمت فعلا ، لكنّ كبرياء الألم هي التي كانت تزيّف الأشياء يوم قلت : لم أعد أبالي بأيّ شيء . كبرياء الطّفل الذي يأبى الاعتراف بأنّ أمّه ضربته لأنّه مازال يحبّها.
أجل أحبّها أمّي الحياة، أحبّها.من قال إنّ النّار لا تحرق نفسها بينما هي تحرق الأشياء ؟ صحيح أنّها تستعر و يشتدّ عودها كلّما أكلت جسما جديدا غير أنّها تتآكل معه دون أن تدري .. حمقاء . من قال إنّ السجّان أكثر حريّة من سجينه؟ طالما لديه من يقبع خلف القضبان فسيبقى سجينا بسجنه. من قال إنّنا سنرفض الوجود و نتظاهر باللامبالاة؟ الحياة جميلة و أجمل ما فيها أنّنا لا نموت إلاّ لنحيا من جديد ، لا نترنّح إلاّ لنستقيم و نعاود السّير. مازال في الكأس بقيّة
.

jeudi 14 janvier 2010

جنـــــــــــــــون


في ركن مظلم من الغرفة تكوّم "الفاضل" تقرفه رائحة كريهة منبعثة من إناء بجواره، شعر بشيء لزج يسيل من صدغه، رفع يده ليزيله فداهمه ألم حادّ في كتفه شلّ حركته، تحالف عليه الألم و الجوع و البرد فلم يغفُ جفناه. منذ مدّة غادره النّزيل الذي كان يقاسمه المكان، ذهب دون أن يُلقي تحيّة الوداع، لا يدري إلى أين، خرج و لم يعد. ليس متأكّدا إن كان ذلك منذ يومين أو أكثر فقد أهمل العَدّ، ما عاد التّاريخ يعنيه، درّسه طوال ربع قرن ثمّ خمدت إثارته.و توصّل في خاتمة المطاف إلى حقيقة مريحة و هي أنّ لا شيء يبقى على حاله إلاّ الأفكار. ما الفرد إلاّ مادّة و فكرة فإن تلاشت المادّة بمفعول الزمن و الآفات فالفكرة باقية لا تندثر.
فجأة طرق سمعه أزيز خافت ظنّه في البدء الصوت المعتاد رفيق أيّامه و لياليه ثمّ ما لبث أن ركّز السّمع ثانية فإذا بالأزيز يرافقه صرير و كأنّه الأنين يأتي من ناحية الباب. دفعه فضوله فتحامل على آلامه و زحف باتّجاه الأصوات. وضع أذنه على الباب فجحظت عيناه من هول ما رأى و سمع.
قال مقبض الباب للمسمار في ضجر:
ـ مللت المقام بهذا المكان البغيض، ملعونة تلك الأيادي بأصابعها المنتفخة و أظافرها القذرة تديرني في خشونة فتكاد رقبتي تتحطّم حتّى بات لي في كلّ حركة حشرجة. كنت في معملي برّاقا كما المرآة المجلوّة أنعم بالرّاحة و الرّفقة حتّى إذا أراد صاحب المصنع انتقالي إلى أحد الدّكاكين، تخيّر لي من العلب أجملها و رسم صورتي خارجها و لفّ جسمي بورق شفّاف. أهكذا يكون مآلي؟ لطالما تخيّلت أن أصير في بعض البيوت الفاخرة تداعبني الأيدي النّاعمة تكسوها قفّازات القطيفة أو الحرير، أظنّني كنت أفضّل الحرير، و يشملني الدّفء و الموسيقى الرّقيقة. فإذا بي أقبع هنا في هذا المكان الكئيب و لا نجاة يا صديقي إلاّ بتلفي ثمّ طرحي في قمامة الأموات. بتُّ أنتظر ذلك اليوم علّي أستريح من عذابي.

نطق المسمار بصوت متقطّع و عين كسيرة:
ـ أذكر يوم جلبونا أوّل مرّة، كنّا مائة من المسامير الفتيّة محشورين في علبة كماالعبيد يتقاذفهم قبْوٌ عفن في سفينة قراصنة. و سرعان ما فرّقونا و كان نصيبي هذا الباب في هذا الممرّ المعتم. ظللت يومين أسمع صراخ الرّفاق و نحيبهم، لم أفهم ما يجري إلاّ حين انهالت على رأسي مطرقة ضخمة ففقدتُ وعيي و حين استفقت وجدتني غائصا في هذا الباب المقيت لا أقوى على الحركة. و ما أسفي على نفسي بأشدّ من حسرتي على شقيقي، لقد حاول مقاومة أيديهم و المطرقة، فاعوجّت ساقه، فضربوها بدل المرّة مرّات. أحدهم هوى على إصبعه خطأ فلعن المسامير و الصّناعة المحليّة، جرّبْ الألم أيّها الوغد، قُطِعت أيديهم، كانوا يريدون أن تستويَ منه السّاق لكنّها انكسرت فألقوه أرضا تتقاذفه الأحذية السّوداء الغليظة...
شرق المسمار بدموعه ثمّ أضاف:
كم وددت أن أنغرس في إحدى الأيدي اللّعينة فأدميها غير أنّي عاجز.. هنا عاجز.

بكى المسمار بكاء مُرّا و بكى معه كلّ ما في الغرفة. فجأة صرخ ثقب الباب في سوْرَة من الغضب:
ـ اسكُتْ.. اسكتوا جميعا، لا تتحدّثوا عن الألم و المعاناة.
ماذا عساي أقول عن نفسي و أنا تخترقني المفاتيح من الأمام و من الخلف عشرات المرّات في اليوم الواحد. كرامتي استُبيحَت على يد الأنذال...

فانفجر المقبض و المزلاج و المسامير و حتّى إناء الرّكن في ثورة من الضّحك. و ضحك "الفاضل" معهم، ضحك و ضحك حتّى انقبضت عضلات بطنه و سالت دموعه ثمّ لمع في عينيه بريق غريب، لم يعد يشعر بألم كتفه و لا برائحة المكان الكريهة، ارتسمت على وجهه ابتسامة و استقرّت و صارت نظرته تعانق عالما لا يراه غيره.
في الفجر، حان موعد زبانيته لمواصلة التّحقيق. كم هي ثقيلة ساعة الفجر، الاعتقال في الفجر و التحقيق في الفجر و الإعدام في الفجر. لحظة فاصلة بين حياة كائنات و موت أخرى، بين سجن المادّة و انعتاق الجوهر. لكنّ فجره اليوم مختلف.
انفتح الباب على ضخمين فوقف عن طواعية لا تفارقه ابتسامته الغريبة، سوّى هندامه و مرّر يده على شعره. هذه المرّة لن يمكّنهما من جَرّه زاحفا.

lundi 11 janvier 2010

الـنَّـفَـــق


في ليلة الميلاد سطعت فوق رأس الصبيّ أنوار كالأقمار أو أشدّ ، و تلألأت أضواء الاحتفالات و مصابيح السيّارات و تراقصت في لوحة بهيجة و لا أروع . كان يحتلّ المقعد الأمامي حذو أبيه و تتنازل له أمّه عن مضض . الشوارع مكتضّة فالجميع في طريقه إلى زيارة قريب ما . كان الصبيّ يتشوّق إلى طعام جدّته و يتخيّل هداياها و هو يلصق وجنته ببلّور النافذة تخلبه الأنوار التي أخذت تتراقص في كلّ اتّجاه و تتمازج ألوانها فإذا بالمحيط يتضرّج بغلالة ورديّة تدرّجت بين قواتم و فواتح خفّاقة هفّافة و إذا بكون رحيب يمتدّ أمامه فتراءت له قصور شامخة تزيّنها شرفات و نوافذ و بيارق بديعة الألوان و تنبعث منها أنغام رقيقة تحلّق بالرّوح إلى عالم أجمل من الجمال. هنالك شاهد الصبيّ لعبا و هدايا و قوالب حلوى عملاقة ترصّعها كلّ أنواع الفواكه ، و سار بمحاذاة نهر زمرّديّ جارٍ ، تقوده عصافير و ببّغاءات قزحيّة الألوان بعضها يحوم حوله يسبقه ثمّ يعود إليه و بعضها تكتنفه أشجار غريبة ثمارها . النّسيم لذيذ و الرّوائح شذيّة .
حين انجلت الدّهشة أخذ يقفز و يترنّم و يضحك و يلاحق الفراش ، رأى أحصنة بيضاء تركض في السّهل السّندسيّ الفسيح و طواويس و طيور نعام و ظباء مرقّطة ...غمرت قلبَه سعادة عارمة حتى كاد يُجنّ ، ما هذا المكان البديع ؟ ألا تغرب شمسه ؟ ألا تنام كائناته ؟ أ يُعقل أن يكون هو ... ؟
كثيرة كانت الحكايات التي سمعها عن ليلة الميلاد و يستغرب أنّها لا تُروَى إلاّ إذا حان موعدها ليلفّها النّسيان باقي السنة. صديقه أحمد قال مرّة : " أنا ظللتُ ساهرا و رأيته من خلال النّافذة بقلنسوّته الحمراء و ... " انهال عليه الرّفاق لطما و لكما ثمّ انفجروا جميعا في ضحك بريء ، حين هدأت قهقهتهم نطق سامي بجديّة " في كلّ رأس سنة كنت أعثر على عدّة لعب في غرفتي ، أحضنها و أركض لأطلع أبي عليها فيبتسم لي ابتسامته الغائمة و يصمت . الآن أدرك أنّها كانت طريقته كي يشغلني فأتركه بسلام مع كأسه .. كم كنت أبله "، و قف خالد و قال " أبي يقول نحن مسلمون و هذا العيد ليس عيدنا ". فجأة اتّجه الأطفال إلى الصبيّ و بصوت واحد " و أنت يا رامي أتصدّق وجود الأب نويل ؟ " تردّد قليلا ثمّ حدّق في الفراغ كمن يخاطب نفسه " ممممم أظنّ ... أظنّ أنّ عربته لا يمكن أن تزحف على التراب ، ليس لدينا ثلج ، لو كان لدينا ثلج ... " و لمعت عيناه ببريق وعد. وجم الأطفال . مزّق صوت سامي الصّمت في احتجاج " ماذا يعني ؟ ألا تحقّ لنا الهدايا و الأمنيات ؟ " حينها عاد خالد ليقول " جدّتي تصعد إلى سطح المنزل في شهر رمضان، تقول إذا انفتح باب العرش يتحقّق لك كلّ ما تتمنّاه . صعدت معها السنة الفارطة و تمنّيت درّاجة و لم أحصل على شيء ".
العرش ... كلمة تدغدغ منه الشّعور و لكنّه لا يصدّق. لطالما تساءل عن نصيب من لا يمكنهم بلوغ السّطح ، بل ما ذنب من لا بيوت لهم أصلا ، و إن كانت للعرش قدرة على تحقيق كلّ الأمنيات فلماذا يحتاج إلى سماعها فوق السّطوح ؟ و في هذه الحال كلّما كان السّطح أعلى وصل الطلب أفضل و من لا سطح له لا حقّ له في التمنّي . كم ضجّ عقله الصغير بهذه الأسئلة و كم طرحها على أهل بيته فلم يظفر إلاّ بابتسامة لطيفة من هذا أو بدمعة مترقرقة من عين ذاك فنسي الأمر برمّته.
أمّا هنا، في هذا المكان السّحريّ البديع فقد وجد كلّ ما تاقت إليه نفسه ، انطلاق و انعتاق و نقاء جمال لا يحدّه البصر و ألوان و أشكال يقصر عنها الخيال، لا موانع لا حدود و لا قيود، فضاء تخجلك روعته فتغضّ النّظر و لا تجرؤ يدك على لمس عنصر منه ، فضاء يشعرك أنّك الذات الوحيدة الضّئيلة النّاقصة فتكاد تعتذر عن وجودك فيه و توقن أنّك محظوظ حين شملتك عناية قادرة و ألقتك فيه ...
فجأة ، حمل إليه الأثير أصوات أطفال . ضحك و غناء ، لم يميّز الكلمات لكنّها كانت أصوات أطفال صغار فتضاعف فرحه . أخيرا عثر على الرّفقة في هذا المكان الرّحب ، أخيرا سيشاركه أحدهم المرح . تبع حاسّته إلى مصدر الصّوت يدفعه فضوله فلمحهم في حقل الأقحوان ، مجموعة من الأولاد و البنات ، اقترب منهم فتفطّنوا إليه و ابتسموا له في هدوء ، توقّفوا عن الرّقص و الغناء و تحلّقوا به . راقه تشابه ملابسهم البيضاء ، لابدّ أنّهم ينتمون إلى نفس المدرسة .
بادرهم قائلا : " مرحبا ، أنا إسمي رامي " فلم يردّوا و ظلّوا على ابتسامهم ، يبدو أنّهم لم يهتمّوا أو لعلّهم لم يفهموه . و سرعان ما اطمأنّ حين سأله أحدهم بلغته :
ـ كيف كانت رحلتك ؟
ـ رحلتي ؟؟؟
ـ نعم ، ألم يُخِفك النّفَق ؟
ـ أيّ نَفَق ؟
ـ كلّنا عبرناه ، كيف وصلت إلى هنا إن كنت لا تعرف النّفق ؟
تلفّت حوله في ارتباك يحدّق في عيون الأطفال كمن يبحث عمّن يسعفه بجواب غير أنّ الأطفال في تلك اللّحظة أدركوا أنّ الصبيّ الجديد مختلف ، و في حركة جماعيّة أخذوا خطوة إلى الخلف ثمّ خطوات ، لاحقهم و هو يطلب منهم البقاء و يتوسّل أن يشرح له أحدهم لكنّهم واصلوا التقهقر و تضاءلت قاماتهم حتّى صارت أصغر من زهور الأقحوان ثمّ غابت تماما .
هبّ على السّهل هواء بارد ارتجفت له أطراف الصبيّ إلاّ أنّه تجلّد و قرّر العودة من حيث أتى ، أسرع الخطى يبحث عن الحيوانات و الأشجار ، كان يمنّي نفسه بالعثور على النّهر ، إذا وجد النّهر سيسير بمحاذاته كما جاء حتّى يصل إلى القصور التي رآها في بداية رحلته . أخذ يجري و يسلك كلّ اتّجاه فلم يعثر على شيء . امّحى المكان فلا مكان و رانت ظلمة موحشة ماد لها قلب الصبيّ لكنّه لم يتوقّف عن السّير ، ظلّ يمشي لا يرى موطئ قدميه حتّى لاحت له على المدى البعيد نقطة دكناء أشدّ سوادا من الظلمة المحيطة به فتجدّد فيه النّشاط و خفق قلبه . كان متأكّدا من العثور على أحد القصور ، سيلجأ إليه حتّى ينجلي الظلام ، لا بدّ أن يجد فيه من يدلّه على طريق العودة . وضعه نصب عينيه و أخذ يتقدّم بكلّ تصميم في اتّجاهه ، كم كانت المسافة طويلة ، لا يهمّ . طريق العودة دائما أطول و أشقّ . يذكر في رحلات المدرسة كيف كان مع أصدقائه يغنّون و يمرحون و تتعالى هتافاتهم طيلة الذّهاب و في المساء تعود بهم الحافلة في صمت و ضجر حتّى أنّ بعضهم يغلبه النّوم . فلا داعي للقلق هنا إذن ، كانت النّقطة الدّاكنة تكبر كلّما اقترب و لكنّه مازال لم ير مبنى القصر و تفاصيله . استمرّ في السّير حتّى وصل فإذا بنفق كبير مظلم يكتنفه ، ما إن وضع قدمه فيه حتّى انزلق و راح يتدحرج تتلقّفه جنبات النّفق الأفعوانيّ الرّهيب فضاقت أنفاسه . كان طفل الحقل محقّا حين سأله عن خوفه من النّفق ، إنّه فعلا مخيف .
لم يدر كم مضى من الوقت على سقوطه في ذلك الفراغ المظلم حين بدأ يصغي إلى همهمات بعيدة خافتة بالكاد ميّز بعض الكلمات ، كانت أصواتا مختلفة " إنّه يغيب ، إنّه يغيب ، أسرعوا .. نبضه ينخفض .. قلبه لا يستجيب .. الآن ، راقبي النّبض ، مرّة أخرى ... " فجأة شعر بزلزال يدكّ النّفق و تدفعه الرجّة أميالا إلى الأمام ، تعقبها رجّة ثانية ، فثالثة .
لاح النّور في آخر النّفق ، الآن اتّضحت الأصوات :
ـ أحسنت دكتور ، حقّقت اللّيلة نجاحا باهرا في جراحة صعبة .
ـ أنا لم أفعل شيئا ، هذا الصبيّ أراد الحياة .

samedi 2 janvier 2010

الشّـــــريـــد


لمع البرق على هيئة فروع شجرة من الكهرباء فأضاء الطريق الضيّقة الموحشة الملتوية أمام سيّارة صغيرة يقود سائقها في حذر ، المطر يهطل بشراسة تنقر شآبيبُه البلّور الأمامي فلا يكاد يُرَى شيء ، على اليسار يقوم جبل جبّار تنذر صخوره بالسّقوط في أيّة لحظة و على اليمين حاجز خشبيّ قُـدَّ من جذوع الشجر هو كلّ ما يفصل الطريق عن هوة سحيقة تنتهي بشاطئ صخري تلطم أمواجه البرّ في صراع أبديّ زادته الرّيح هيجانا .
............................................................................
ليته بقي و لم يغادر ، ماذا عليه لو ازدرد شيئا من كرامته و أجّل المغادرة حتّى تهدأ سواكن الطبيعة
.
............................................................................
في كلّ إطلالة على قاع الهوة يغوص قلبه في أسفل بطنه ، هزيم الرّعد يكاد يدكّ الجبل فوق رأسه فيزداد تشبّثه بالمقود و عيناه لا تفارقان بضع أمتار من الطريق التي تضيئها مصابيح سيّارته القديمة .
.............................................................................
كان لابدّ أن يغادر ، لم يسْتَبْقِه أحد ، من كانت يهمّها أمره غيّبها الموت و لم يعد له في هذا الوجود صدر حنون يخشى عليه و يرأف . الأمّ ذات ملائكيّة يستحيل أن تكون من سائر البشر ، صدق الأجداد " يتيم الأب يتوسّد الرّكبة و يتيم الأمّ ينام في العَتَبَة " و من قال إنّ اليُتم يقتصر على الصِّبَى ؟ اليتيم يتيم في أيّة مرحلة من العمر . مذ ماتت والدته أدار له الزمن ظهره و انقلبت الدنيا على رأسه و لم تصْفُ له يوما . بدأت نتائجه تتقهقر و ساء سلوكه فلفظته المدرسة و رفض والده الإنفاق عليه لمواصلة تعليم حرّ أو تلقّي تكوين مهنيّ يقيه الفراغ و الرّذيلة فكان الشارع مسرحه النّشيط تعلّم فيه كلّ شيء و فعل فيه كلّ شيء التدخين و السُّكر و المخدّرات و السّرقة و دخل عالم الانحراف من بابه الكبير ، كثرت الكدمات في وجهه و جسده و احمرّت عيناه تلبّد شعره و اتّسخت ثيابه و تردّت هيأته و وافق كلّ ذلك أولى سنوات المراهقة . كان كلّما احتاج نقودا أو أحرقه الجوع عاد إلى البيت فينال نصيبه من والده شتما و ضربا و طردا في أغلب الأحيان . و لكي تكتمل مؤامرة حياته عليه جاءت القشّة التي قسمت ظهر البعير يوم تزوّج والده بامرأة شابّة استحوذت على قلبه و جيبه . لم تطق وجود الرّبيب في البلدة كلّها ليس في البيت فقط فحاكت و دبّرت و نفّذت و نجحت. أفاق ذات صباح على أعوان الأمن يقتحمون المخزن الذي يقيم فيه مع بعض الخلطاء و يقبضون عليه بتهمة سرقة مصوغ زوجة أبيه . كم انتحب و توسّل و أقسم أنّه ليس الفاعل ، كم تمنّى أن تظهر الحقيقة ، كم دعا الله أن يُخرجه من ورطته و وعده بالاستقامة . . لا القانون أنصفه و لا الله استمع إليه . أغْلِقَ دونه الباب الحديدي و قبع في إصلاحيّة الأحداث ثلاث سنوات و شهرين لم يزره فيها والده مرّة واحدة . علم أنّ زوجته أنجبت ولدا . حين أكمل المُدّة و خرج كان قد تجاوز الشعور بالألم و بالظلم و بالحرمان ، كان قد تجاوز كلّ شعور ، لم يبق في قلبه مكان للشّعور .
عاش في العاصمة نازحا وحيدا لا أهل و لا رفيق ، قَلّ كلامه و نابَتْ عنه نظرة حزينة لا تفارق عينيه الغائرتين . تقلّب في أعمال كثيرة ، عمل حمّالا و نادلا في مقهى و وَقّادا في حمّام و صَبِيّ فرَّان .. لم يستنكف من أيّ عمل كان كلّ همّه جمع المال لتنفيذ ما استقرّ في ذهنه . تَرْك البلد . وعده أحدهم بتمكينه من عبور البحر خلسة مقابل مبلغ ضخم ، ظلّ سنين يجمعه و بخل على نفسه بالزّاد ليالٍ كثيرة في سبيله . حين تمّ له ما أراد ، اقترض سيّارة قديمة من ورشة إصلاح السيّارات التي يعمل بها و وعد مُشغّله أن يُعيدها في الغد و اتّجه إلى مسقط رأسه . كان يودّ أن يُلقي تحيّة أخيرة على قبر أمّه قبل أن يغادر البلاد ، حين وصل إلى المقبرة كانت السّماء قد ادلهمّت بسحب دكناء تنذر بهبوب العاصفة و عَوَتْ ريح ديسمبر اللاّذعة و بدأت أولى زخّات المطر و لكنّه لم يشعر بكلّ ذلك . كان جاثما أمام الغائبة يناجيها و يشكو ظلم أبيه و النّاس و القانون و تخلّي إرادة السّماء عنه . خرج من المقبرة و مرّ ببطحاء البلدة ، انقبض قلبه و رَنـَتْ منه التفاتة إلى بيت أبيه و وجد قدميه تقودانه إليه كما في الصّغَر . قرع الباب فانفتح على صبيّ صغير " من أنت ؟ " قال الصبيّ في براءة فأجابه
:
ـ ما اسمك ؟
ـ منير

ـ أتعلم من أنا يا منير ؟

انكمش الصبيّ و اختفى نصفه خلف دفّة الباب

ـ لا تخف ، أنا أخوك يا منير
ـ . . .
ـ هل والدك هنا ؟

ـ نعم

ـ نادِهِ يا منير من فضلك

بعد فترة من الزمن لم يقدّر طولها ظهر بالباب رجل جهم المحيّا في قسماته غلظة و في عينيه حزن . ارتبك في حضرة أبيه ثمّ تقدّم و قبّل كتفه و قال " جئت لأخبرك بأمرين ، أوّلهما أنّي سأهاجر بدون رجوع و الثاني أنّي بريء من سرقة المصوغ و أقسم على قبر أمّي بذلك " لانت ملامح الشيخ و تدلّى شارباه و تمتم بكلمات سمع منها " صحبتك السّلامة " استدار و اتّجه إلى السيّارة ليغادر لكنّه ناداه أن " انتظرْ " غاب بالدّاخل بضع دقائق ثمّ عاد و دسّ في جيبه مبلغا من المال . كم تمنّى لو أخذه في حضنه و دعاه للمبيت عنده في ذلك الطّقس ، كم تمنّى لو عرّفه على أخيه و لو لليلة واحدة .
ا.......................................................................................
اغرورقت عيناه بالدّموع فلم يعد يميّز الطّريق ، الرّعد يقصف بشدّة و المطر ازداد غزارة . كان على
وشك أن يمسح دموعه حين أعشاه ضوء قويّ مباغت ، ظهرت شاحنة في الاتّجاه المعاكس ، خشي الاصطدام بها فمال إلى اليمين قليلا كي يتفاداها لكنّ السيّارة انزلقت و حادت عن الإسفلت المُعَبّد و ارتطمت بالحاجز الخشبيّ و حطّمته و وقعت في الهوّة محدثة قرقعة رهيبة على صخور المنحدر . كان يريد دخول البحر ، ها قد دخله و لكن أشلاء متناثرة . فليهنأ العالم .

mardi 29 décembre 2009

أمّي دوجة : حكاية كفاح


عمناول كيف هالوقيّت كتبت تدوينة للذكرى لروح ممّاتي أمّي سعيدة و باش نكون منصفة في حقّ ممّاتي الثانية – الّي هي في الحقيقة خالتها – حبّيت اليوم نحكي عليها : أمّي دوجة . ما تقلّش أهميّة و تأثير على تكويني و شخصيتي . و إذا كانت أمّي سعيدة حكاية ظريفة تضحّك فأمّي دوجة حكاية جهاد طويل و إصرار ، بقدر ما الأولى عاطفيّة تتلاقى في وجهها الدمعة و الضحكة في وقت واحد بقدر ما الثانية عقلانيّة و شخصيّة ثابتة و كلمة ما تتردّش . و إذا كانت الأولى قدّ و بهجة و طول تشيخ على الخلاعات و العروسات و الضيافات مغرومة بالحرقوص و شرك الياسمين و تلبس المْهَدَّعْ و ساعة ساعة تعمل نفَيِّسْ من سيقارو بالسّرقة على ولدها الكبير فالثانية ذمَيْمَة مبرومة / كنّا نسمّيوْهم لورال و هاردي / فوطة و بلوزة و مريول فضيلة باليدين لحمها ما يتراش حتّى في عزّ الصيف وجهها ديما مغسول بالماء و الصابون ما حطّتش فيه مرود كحل ملّي مات راجلها و لكنها مغرومة بالكونوليا السّوري كيف ما كانت تتسمّى في وقتها ، ما تحبّش كثر الحافر ، و دودة متاع حركة ما تقعدش من غير ما تعمل حاجة تفيد . في الشتاء تخدم لنا مراول الصوف لتوّا نتفكّر لون أباريها و نوامرهم ، و على خاطر قامتها قصيرة كانت تطلع على كرسي قدّام الغاز باش تعمللنا معجون البردقان و خبزة الدّرع و الفريكاسي و كريمة الشكلاطة للسهريّة و أحنا دايرين بيها كالقطاطس . و كي تجينا في الصيف تحلى العشويّات و السهريّات و إذا ما تلقى ما تعمل تدور على الجنينة و تزرع مشاتل الفول و المعدنوس ، كيف يمرض الدجاج تداويه ، تقطّر لهم في عينيهم من الدوا متاع عينيها هي و تهرّس حرابشها و تسَفّفهم و الغريبة كانو يبراوْ ههههه و أحنا باهتين . عندي قريب تولد بنموّ ضعيف و وخّر في المشيْ خذاته أمّي دوجة على عاتقها و كانت تسكن على البحر . صيفيّة كاملة ، كلّ يوم تهزّة في حملتها للشطّ تغطّي له راسه عالشمس و تغرس له ساقيه في الرّمل السخون و تقعد بحذاه ، قفّة الفطور بجنبها و هي تغذّي فيه و عقاب القايلة تروّح بيه للدّار . ما جا آخر الصّيف إلاّما رجعت بيه لعايلته يمشي على ساقيه .
المرا هذه من مواليد 1903 كيف ما تقول هي " نديدة بورقيبة " و عدّات قرابة السبعين سنة من عمرها وحّدها ، وحّدها يعني أرملة ، مات راجلها و هي في سنّ التسعة و عشرين و خلاّلها ثلاثة بنات الكبيرة بنت 12 سنة و الصغيرة ما يعرفهاش خلاّها حبلى بيها . رفضت الزواج بعده و من وقتها بدات رحلتها في الجهاد . جهاد للعيش الكريم و جهاد ثاني ضدّ التقاليد . ماكانش ساهل على المرا في بدايات القرن الماضي باش تؤمِّن حياة أسرتها وحّدها و لا كان مفهوم . عزيزي كان إمام بيرصا و يملك أراضي و ديار لكن عايلته حطّت يدّها على أرزاقه الكلّ و حرموها هي على خاطر ما جابتش منه ذكر . من وقتها فهمت أمّي دوجة إلّي يلزمها ما تتعامل كان مع الفرانسيس / وقتها ما كانش فمّة الروَيّق متاع الاستقواء بالأجنبي / عمّلت على روحها و اتّصلت بطبيب فرانساوي يقولو له دكتور لو قران عاونها و دخلت تخدم في مسشفى بعد تدريب قصير أثبتت فيه كفاءتها و خرجت ببناتها و خلاّت بيرصا كلّها و كرات دار في سيدي بوسعيد و قيّدت بناتها يقراو في " ببّصاتْ " قرطاج و بدات رحلة كفاحها . ربّاتهم على الاقتصاد و تحمّل المسؤوليّة . في ظرف خمسة سنين كانت جامعة مبلغ لاباس بيه و رجعت لبيرصا و لكن رجعت مالكة لدار متاعها باسمها و كانت كلّ ما توجد تزيد فيها بيت و تحسّنها و تتعامل مع البنّايَة و النجَّارَة و مارست حياتها بصفة عاديّة مستقلّة بذاتها و بمواقفها ، و علّمت بناتها و كبّرتها و زوّجتهم . المعروف عليها إنّها تقول كلمتها مهما كان الشخص الّي قدّامها ، كيف تقول لها في شيء من التهكّم " أما أنت خشينة أمّي دوجة " تجاوبك " مليح أقعد أنت جْويِّدْ " و من المأثور عليها جملتها الشهيرة وقت الّي تبهتْ فيها كيفاش فهمتّك عالرّمشْ تقلّك " نحسْبكْ و أنت واقف " . كيف روّح بورقيبة في عيد النّصر مشات لاستقباله في حلق الواد كيف آلاف التوانسة و عمرها ما فلّتت انتخابات .
وقت الّي فاتت الثمانين سنة طلبت قريب ليها يخدم مُطَوّف ، في سِبْحَة . استعرض عليها عضلاته و قال لها " هاذم سْبِحْ متاع حُجّاجْ وصّاوني عليهم " اكاهو من حينها جات للوالد لأنّه كان ينعْملها و ياخذ بخاطرها و قالت له " هاذم فلوسي و هاذم وراقي نحبّ على باسبور و قيّدني في قايمة الحُجّاج و لا مزيّة لعربي " و هكّاكة كان العمل .
نتفكّرها و هي ضيفة حذانا كيف يروّح الوالد مالخدمة تجي من بيتها على طراطش صوابعها و شوكة الفوطة بين سنّيها فمّاشي ما تسمعه يقول حاجة على مشروعها إلّي كلّفته بيه .
في ال85 سنة كانت حجّتها الأولى . الأقارب الّي حجّوا معاها يحكيو إنّها ما عملت حتّى شيء بالكرا ، الطّواف و الصّفا و المروة و عرفات ... كلّهم عزمت عليهم و عملتهم على ساقيها .عمّرت أمّي دوجة لقريب 100 سنة و قعدت على مواقفها لين غادرتنا في مثل هالأيّامات . اللّه يرحمها
.

jeudi 24 décembre 2009

إلى الطّغاة

في ذكرى الاعتداء الصهيوني الإجرامي على أطفال غزّة ، منذ عام انسابت دماء الصّغار سيولا من النّار على أرض البرتقال الحزين
من أجل الرضّع و الأطفال و كلّ الأمّهات و الآباء هذه صرخة في وجه كلّ طاغية
رسالة عبد الرحمان الشرقاوي للرّئيس الأمريكي الأسبق ترومان
أنا من أنا .. ؟!..
ولدت لعشرين عام مضت على مطلع القرن ياسيدي
وقد فرغ العالم المستجير من الحرب ..
ثم مضى آمنا
:يوزع أسواقه الباقيات
ويهزأ بالموت والتضحيات
.وبالذكريات .
وقامت شعوب تهز الظلام بمشرق أحلامها الهائلة
وتعلي على خربات الفساد بناء مدينتنا الفاضلة
فلما بدأت أعي ما يقال رأيتهم
يملأون الطريق تهز الفؤوس ركود الحقول
وتعلي بما تحتويه العروق
وكانوا يقولون (( يحيا الوطن ))
حفاة يهزون ريح الحياة ويستدفعون شراع الزمن
وساءلت أمي عما هناك (( وماذا دهى القرية الساكنة ))
فقالت : بني هم الإنجليز يثيرون أيامنا الآمنة
وقد أخذوا كل غلاتنا ..
وقد نضب الماء في الساقية
ولم يبقى شيء على حاله سوى حسرة مرة باقية
ولما كبرت لبست الحذاء ووليت وجهي إلى القاهرة
فأبصرت من تحت ثقل السلاح وجوههم الجهمة الحائرة
وكنت أراهم وهم يركلون فتى في طريقهم .. أو فتاة .
وقد يعبثون بشيخ عجوز فيملأني الرعب مما أراه
ـ ويرهق سمعي ـ ما لم أره .
* * * * * ويأتي الخريف بأشباحه وتمشي التعاسة فوق الحقول
فأمضي لأطلب علم الكتاب وعلم الكتاب لدينا هزيل
وندرس ( جغرافيا ) ذات عام ، ونعرف كل مناخ الدول
وألمح في ( أطلسي ) دولة ومن فوقها حمرة تشتعل
فإن كنت ياسيدي قد أطلت . وقد سقت هذا الحديث الحزين
فإني حزين حزين شقي لبعد ابنتي
.حزين أخاف عليها المصير
وأنت أب تعرف الوالدين
ولست أريد لها أن تموت .. فرفقا وأنت تخط المصير
أترمي حماماتنا بالنسور ؟!
معاذ الأبوة يا سيدي .. فأنت أب : وكلانا حنون
ألست تصون حياة ابنتك ؟!فهل تصنع الموت للآخرين ؟!
وإني لأدعوك باسم الأبوة .. باسم الحياة .. باسم الصغار
.لتعقد حلفا يصون السلام ويرعى المودة بين الكبار
فأنت أب قد صنعت الحياة ولن تصنع الموت بعد الحياة
لماذا إذن يا إله الرحيم يذيعون حولك هذا الجنون ؟!
ولكن لمن كل هذا العديد ؟وتلك الحشود؟
ولكن لمن كل هذا الهزيم ؟لمن هذه النافثات السموم ؟
لمن هذه الناشرات الجحيم ؟
لمن تسرق اليوم أقواتنا لتصنع ماشئت من فاتكات ؟
لمن تحشد اليوم في السابحات ،
وفي الغائصات , وفي الطائرات وفي الناشطات
.لمن هذه الذاريات الحطام .. لمن ؟ ..
ولمن هذه النازعات ؟؟!!
لمن كل هذا ؟! لغزو السماء ؟ .. لتصنع معجزة ؟!
بل لنا لتحطيمنا لتجويعنا لتخريبنا
لتقوى سلاسل أصفادنا
ليرتفع السور من سجننا
لنشر السواد على أرضنا
لتمزيق أجساد أطفالنا
لتمزيق أجساد أطفالنا !!؟؟
ولكن كفى ! لن تنال ابنتي وأقسم أن لن تنال ابنتي !
أتطفىء نظرتها الباسمة ؟
أتقطع أطرافها الناعمة؟
أتجري دماء ابنتي في غد كنافورة ثرة تنسكب ؟
أتنثر أشلاءها اليانعات عليّ حيث تضحك بين اللعب ؟!
أتمزج لحم ابنتي بالتراب !!
كفى أيها الإله الذي يلطخ بالوحل طهر السحاب !!
أتنهش هذا الكيان النضر !
كفى أيها الهمجي الرهيب ..!!
كفى أيها الإله القذر !
إله يبول على التضحيات ويبصق فوق قبور البشر
يضمخ لحيته بالدماء وترقصه أنّه المحتضر
ويسخر من ذكريات النضال ويهزأ بالأمل المزدهر
كفى أيها الهمجي الرهيب ..!
ويا لفحة من بقايا ذنوب ويا خفقة من هواء الغروب
فليست دماء ابنتي كالنبيذ .. وليس نبيذا دماء الشعوب
ستحيا ابنتي في ظلال السلام .. وتنعم باللعب الوافرة
تمارس كل حقوق الحياة
حقوق طفولتها الزاهرة
ستحيا انطلاقاتها كلها وأخلاقها الحلوة الشاعرة
وأقسم أن لن تصير ابنتي غدا طفلة لشهيد قضى
أتسمعني أيها الهمجي !!
ستحيا ابنتي في ظلالي أنا
كاسعد ما نتعاطى الحياة
أتسمعني أيهذا الإله
ستحيا ابنتي في ظلال السلام
وتصبح أنت مع التابعين
هواجس من ذكريات الظلام
فإن تملك الذرة المفنية
فإنا لنمتلك التضحية
ونمتلك الذرة البانية
ونملك طاقاتنا كلها ونملك أيامنا الباقية
وتاريخ أجيالنا الأتية

mercredi 23 décembre 2009

كلّ إناء بما فيه يرشح

من أشدّ أخطاء الأسلوب فداحة الانتقالُ بين الضمائر بدون موجب كأن تقفز من ضمير المُخاطَب إلى الغائب إلى المتكلِّم
استخدام ضمير المُخاطَب الجمع يحيل على عادة قديمة عند العرب و هي إلقاء الخُطَب من نوع " أيّها النّاس إسمعوا و عوا " أو " يا معشر المهاجرين و الأنصار " أو يا قوم هههه
آه قبل أن أنسى ، أقترح على المدوّنين أن يستبدلوا التصويت بالتصفيق

ســـؤال في ورطــة



ما جنس الورطة ؟ ما شكلها ؟ ألها زمن معيّن و أشخاص معيّنون توقع بهم ؟ أهي دائما سوء و أذى ؟ ألا تكون أحيانا شرّا أريدَ به خير ؟ أفلا يمكن أن تكون ما تمنّيناه و لكن لم نعرف من أيّة زاوية نأتيه ؟ بما يشعر المُتورِّط و ما هو موقف المُوَرِّط حين يرى نتاج صنيعه ؟

هل التورّط دليل على هشاشة الذّكاء و ضعف الحضور الذهني بحيث لا نتفطّن إلى حقيقة الأمر إلاّ بعد أن نصبح طرفا فيه ؟ من الأشخاص من يورّطه كلامه ، علاقاته ، غروره أو ثقته المفرطة بالآخر . كم مرّة نتورّط في حياتنا ؟ أنواجه التورّط بنفس ردّة الفعل و نحن صغار كما في النضج و الكبر ؟

لماذا تقترن ورطة الرّجل في مخيالنا الشعبي و موروثنا الثقافي بحَشْرِهِ غِرَّة و رغم إرادته في فعل أو وضع دون رغبة منه في حين يُـحيل تورّط المرأة دائما على كلّ ما هو جنسي و أخلاقي ؟

إلى أيّ حدّ طرح الأدب العربيّ و الآداب العالميّة مسألة الإيقاع في الورطة ؟ من حكايا لافونتان إلى كليلة و دمنة إلى بخلاء الجاحظ إلى أدب المقامات ، و كيف كانت مقاربته لها ؟ في شكل نادرة بغاية التفكّه لا غير أم عبرة بتوجّه تربويّ إرشاديّ ؟

كم حصدت الورطة من الضحايا ؟ فالأشخاص يتورّطون حكماؤهم و أراذلهم ، المؤسّسات تتورّط ، الحكومات هي الأخرى تتورّط . بعض القرارات السّياسيّة و العسكريّة و الاقتصاديّة المصيريّة نتجت عن ورطة .

و بالنّهاية ، أترانا نجدّف بخيالنا بعيدا إن تساءلنا ألا يكون آدم قد تورّط مع إبليس حين أكل من الشجرة المحرّمة ؟